عرضت منصة شاهد VIP آخر يناير الماضي مسلسل مملكة إبليس مسلسل استثنائي وحالة خاصة بطلها الأول هو الكاتب محمد

ناهد السباعي,غادة عادل,محمود الليثي,كريم قاسم,مملكة إبليس

الخميس 16 يوليو 2020 - 02:40
رئيس مجلس الإدارة
أحمد التلاوي
رئيس التحرير
إبراهيم موسى
مملكة إبليس

الجزء الأول من أسطورة الأساطير

مملكة إبليس

عرضت منصة (شاهد VIP) آخر يناير الماضي مسلسل مملكة إبليس، مسلسل استثنائي وحالة خاصة بطلها الأول هو الكاتب محمد أمين راضي وكعادته في تقديم عمل مختلف غير مألوف للمشاهد كمسلسل نيران صديقة والعهد ثم السبع وصايا مرورا برائعة أفراح القبة ثم هذا العام في جزئه الأول "مملكة إبليس – أسطورة الأساطير".



عالم خاص يختلط فيه الواقع بالخيال والتراث الشعبي بالأساطير والفانتازيا بهوس البركات واللعنات وعوالم ألف ليلة وليلة، مزيج شديد الغرابة والجنون والجمال.

بدأ من اللحظات الأولي نشعر بفكرة السلطة المطلقة المتجسدة في كبير الحارة (فتحي إبليس) كما السلطة الإلهية في الأساطير وسيطرته التامة على كافة مخلوقات الحارة كأنها عالم منفصل بهم لا رب لهم سواه. 

جسد هذا الدور القدير صبري فواز بعبقرية وحضور طاغي برزانة تون الصوت الحاد وثبات نظراته الثاقبة التي حرفيا لم ترمش لها جفن طول مشاهده، فبث الرعب بهدوء دون افتعال حتى حانت نهايته المفاجأة، لذلك رغم ظهوره في الحلقة الأولي فقط ومشهد واحد في حلقة أخري لكنه أستطاع أن يظل البطل المحوري الغائب الحاضر طوال المسلسل وهذا أيضا يرجع لاكتمال الحبكة الدرامية وتفاصيل شخصيته الثرية التي تسيطر على مجريات الأحداث المتعاقبة حتى بعد قتله علي يد الخواجة (أحمد داوود) متوهما القضاء على لعنة إبليس فقط بموته.

الفاسد لا يزول بموته لأن للحية آلف رأس أخري ترعي وتستكمل الشرور فيستفحل الظلم في كل مكان. هكذا تشكلت أزهار أرملة إبليس (غادة عادل) دون أدني روادع بشعرها الأسود الحالك كثعابين متدلية كما أسطورة "ميدوسا" رمز الشر الأنثوي وأيقونة السحر المظلم المسيطر، فلها قدرة ان تحول أي شخص بنظرة عين الي حجر أصم.

رسم الشخصيات بأدق التفاصيل شكلاً؛ مرورا بالهيئة العامة للملابس المنفذة بحرفية عالية تلائم كل شخصية، وموضوعاً في الصفات المركبة الخاصة جدا لكل دور حتى أسماء الشخصيات كلها لها دلالات واضحة بارزة تتحدث عن ذاتها قبل أن تتكلم ألسنة الأبطال بالحوار، أصبغ على العمل روح خاصة تخص الكاتب وحده وتميز عالمه. 

عالم حارة الجنة له لغته الخاصة، مفردات لغوية غير مألوفة ولكنها تزيد اندماج المشاهد في هذا العالم الغريب كجملة "من هنا وطالع" بدلا من هنا ورايح "وربنا عرفوه بالحكمة" وغيرهم الكثير.

من أجمل الشخصيات كتابة وأداء شخصية العجوز (محمود الليثي) الشاب الذي شاب في طفولته قبل الأوان من هول معناته المجهولة لنا وليس له أي أصل ينتمي إليه فهو أخطرهم فعلا، مثلما نجد في المجتمعات من هم مهمشون تماما ومنسيون يفقدون آدميتهم من الصغر من فرط المعاناة ثم ينمون كالطفليات البائسة، أموات لكن يتنفسون حتى تأتيهم فرصة لقنص الحياة فيكتسحون كالوحوش كل ما هو آمامهم يقضون علي الأخضر واليابس دون رجعة.

سيطرة الغرائز عامة على الحارة من الطمع، الشهوة، السيطرة والخوف أدت لحالة من التخبط والجهل والكبت والتشبث بفكرة اللعنات والبركات وسيطرة نزعة ادعاء الدين في تفكير كل أهل الحارة فالبتالي السيطرة على عقولهم واللعب على فكرة التهيؤات والوهم بمجرد تكرار الأفكار كان سيد الموقف وبرغم رؤيتهم للحقائق صوب أعينهم فكان الإنكار هو الحل الوحيد الآمان لهم. 

كمتلازمة ستوكهولم ذلك العرض النفسي الذي يصيب الشعوب للتمسك بالحاكم الظالم خوفاً من الحرية والمجهول للسقوط فيما هو أسوأ بسبب انعدام الوعي التام.

بتوالي الأحداث يستمتع المشاهد بكم من الاسقاطات الدينية، السياسية وأيضا الفلسفية للتلامس بين الواقع، الحقيقة والخيال مما يجعل العمل الدرامي محرض على الفكر والتغيير وليس ملقن للنصح والإرشاد وهذا هو الدور الحقيقي للفن.

من بصمات المؤلف أيضا هو أعطاء أسم لكل حلقة من ال ١٥ مرتبطة باسم الجزء ذاته توحي بالفكرة المستخدمة طوال الأحداث ويسعد المشاهد بربط كل هذه الأفكار والوصول لرؤيته الخاصة.

العمل بطولة جماعية لمعت فيها سلوى خطاب في دور كاسيا وأيضا كريم قاسم في دور حماصة ولفتت الأنظار رانيا يوسف في دور حنية وخالد أنور أبنها بودي والذي يتخذه أهل الحارة كطوق النجاة برغم اعترافاته الصريحة لهم بعدم أحقيته لهذه الكرامات، لكن الأفكار بداخل النفس المتخاذلة الأمارة بالسوء هي الحقيقة المطلقة المسيطرة على العقل وواقعه لذلك كان يجب أن يكون أهل الحارة في حالة إلهاء مستمر وغياب عن العقل متصاعد حتى تتم السيطرة عليهم بالكامل.

الخلفية الموسيقية في الأحداث باستخدام أجمل الأغاني المصرية أعطت نكهة جميلة ومؤثرة جانب الموسيقي التصويرية المميزة للموسيقار تامر كروان والتي غلب عليها طابع الفانتازيا الكوميدي وارتكز على نبرة الإيقاع المشابه للناقوس او الجرس المنبه لعل وعسى يستيقظ المغيبون.

المخرج أحمد خالد موسي أدار كل تلك العناصر ببساطة وحرفة دون اللجوء لأدوات الاستعراض الإخراجية برغم سماح الجو الأسطوري والفانتازيا بذلك لكنه ترك السيطرة الكاملة للقصة ذاتها وحوار وحركة الشخصيات وهذا يدل عن ثقة ووعي المخرج الذي كان فعلا في صالح العمل ككل فقدم صورة جميلة وديكورات داخلية جيدة جدا ومعبرة لكن يؤخذ عليه فقط وضوح الديكورات الخارجية بأنها ستوديو هات تصوير لم تحقق إحساس الحارة المضبوط.

النزعة الكوميدية كانت سمة العمل وخصوصا الكوميديا السوداء الملازمة لنا طوال الوقت فنحن أكثر شعوب العالم سخرية من ذاته وسوءاته.

أعتقد لو كان تم عرض مسلسل مملكة إبليس على شاشات التليفزيون في سباق الدراما الرمضانية هذا العام لكان من أجملهم وأهمهم.

نحن في انتظار الجزء الثاني من "مملكة إبليس - نار الجنة" هذا الشهر والذي سينضم له نجوم جديدة كالفنانة ناهد السباعي والفنان شريف الدسوقي والفنان أحمد صيام وغيرهم… وكما قال فتحي إبليس كل جنة لازملها نار..