عشر دقائق فقط مرت علي منذ أن تركت العمل لأقرأ... المزيد

كورونا,الهلع,الحياة قصيرة,قسوة الحياة

الخميس 9 يوليو 2020 - 01:32
رئيس مجلس الإدارة
أحمد التلاوي
رئيس التحرير
إبراهيم موسى
هذه اللحظات الضائعة المجيدة

هذه اللحظات الضائعة المجيدة

تبكي طفلتي مطالبة إياي بقراءة قصة قبل النوم لها، أشعر بالارتباك، فورائي أطنان من الأعمال غير المنتهية، المقالات التي لم تكتب بعد، الكثير من التحضير للغد، لكنها تبكي وتقول لا أحد يريد أن يقرأ لي، فأشعر بالذنب يقتلني بسكين بارد، أحملها إلى الفراش وأرقد جوارها، أقرأ لها قصة الأستاذ عطسان، أو دودي وحذاؤه الضائع التي قرأتها عشرين مرة من قبل، تبتسم طفلتي وأنا اسألها حلوة ولا ملتوتة؟ تقول حلوة، وتقبلني ثم تنام.



أنظر للساعة لأجد أن عشر دقائق فقط مرت عليّ منذ أن تركت العمل لأقرأ لها، عشر دقائق يضيع أكثر منهم عندما أسرح في تصفح الفيسبوك أو تناول بعض الطعام في المنتصف، في العشر الدقائق أسعدت طفلتي، نامت وهي تشعر بالحب والثقة، هذه اللحظات الضائعة المجيدة، متى أنتبه إلى أهميتها؟

ألف في ساقية كل يوم، ألف مغمضة العينين أسعى إلى الرزق بكل الطرق، أعمل أحياناً لأكثر من 18 ساعة يومياً، يتبقى 6 ساعات أطمح في أن أنام فيهم قليلاً، لكني أريد أن أقرأ، أشاهد حلقة من مسلسلي المفضل لأشعر أنني لازلت إنسانة ولست مجرد روبوت عامل، أفشل بالطبع ويتساقط رأسي من الثقل على كتفي، فأنام وأقول، غداً سأفعل، سأقرأ كل الكتب وأشاهد كل الأفلام وأكتب كل الروايات، وأمارس كل الرياضات، هذا الـ "غداً" بالطبع لا يأتي أبداً.

أعيد تنظيم اليوم في عقلي قبل النوم، أشعر أنني مقيّدة بوهم الإنشغال الدائم، أحب العمل لكنني أتوه فيه، بعض اللحظات المخصصة لي أمر واجب لأتمكن من المواصلة.

أصطحب طفلتي إلى محل "الآيس كريم" نتناول معاً كوب كامل ونحن نتحدث ونضحك، نتمشى في طريق العودة، أشعر أنني حرة وقادرة على كل شيء، هذه اللحظات الهامة كيف يمكن أن أتجاهلها؟ كيف يمكن أن أسمح لحياتي بأن تتحول لمجرد دائرة أسير في إطارها المحدد سلفاً دون أن أنظر حولي؟

الحياة قصيرة جداً،أرىالهلع في عيون الجميع من شدة قسوتها، لكنهم لا ينتبهون إلى أن قصرها يتعارض مع هذه القسوة بكل منطق، معرفة أنها غير دائمة يجعلك تشعر بالراحة أحياناً، كل هذا العذاب سينتهي يوماً فلماذا لا أحوله لوقت ممتع بكل ما أملك، وقت، مال، أفكار، مخاطرة، تجريب، هذا العالم المؤقت يشغلنا بمصائبه لنعتقد أنه خالد، ربما علينا اكتشاف هذه الخدعة مبكراً، لنتمكن من القول بكل ثقة في نهايته: لقد عشت حقاً.