استلهم العديد من الكتاب تجليات هذا الشهر في كتاباتهم ، بما يجعل من هذه الكتابات نصوصاً اجتماعية تمثل سجلاً لأح

رمضان في عيون الأدباء، العقاد،محفوظ

السبت 16 يناير 2021 - 03:56
رئيس مجلس الإدارة
أحمد التلاوي
رئيس التحرير
إبراهيم موسى

 رمضان في ذاكرة الأدباء والكتاب..شهر الحرية والإرادة

العقاد- رمضان في ذاكرة الأدباء
العقاد- رمضان في ذاكرة الأدباء

نجيب محفوظ : رمضان أمتع شهور السنة أتفرغ فيه للعبادة

العقاد: حكمة الصوم تتجلى في تقوية الإرادة

باكثير: رمضان في عيني موكب عظيم يتلألأ بنور الله

 

استلهم العديد من الكتاب تجليات هذا الشهر في كتاباتهم ، بما يجعل من هذه الكتابات نصوصاً اجتماعية تمثل سجلاً لأحوال مصر عبر العصور المختلفة . فقد عنيت عديد من الأعمال السردية المصرية برصد المظاهر الرمضانية ، مثل رواية "الشمندورة" للأديب النوبي محمد خليل قاسم ، التي تعد مرجعاً مهماً ، يمكن من خلاله قراءة كيفية احتفال النوبيين بشهر رمضان.

 

 ويطالعنا الكاتب فؤاد مرسي في كتابه "معجم رمضان" بما كتبه الأديب نجيب محفوظ ابن الحارة المصرية، وابن القاهرة القديمة بكل خصائصها ومميزاتها، عن ملامح شهر رمضان في حي الجمالية وتحديداً في منطقة بيت القاضي التي شهدت ميلاده يقول: كان ميدان بيت القاضي يبدو في فرح مستمر لمدة شهر كامل ، فإذا ما جاء العيد وصل الفرح إلى ذروته وعلت مباني الشارع زينات الأفراح، وقد كان أجمل ما يسعدني أن المنازل التي تقع في الحي كانت وقت رمضان تفتح أحواشها للناس، وكانت تأتي بالمنشدين الذين كانوا يقيمون حلقات الذكر التى تنشد فيها قصائد المديح في النبي ، وكانت هذه المنازل تتبارى في من يأتي للإنشاد وكنا نحن ننتقل من منزل إلى آخر نستمتع بهذه الحلقات.

وكان رمضان بالنسبة للأطفال في هذه الأيام شهر الحرية، لأن الأهل كانوا يسمحون لنا بالأشياء التي كانت ممنوعة في بقية أيام السنة فقد كنا في ذلك الوقت أطفالاً صغاراً لا يسمح لنا بالتغيب عن البيت طويلاً ولكن ما إن يجئ رمضان حتى تفتح الأبواب ، لكي نخرج إلى الشارع ، حتى في الليل دون أن يقال لنا ألا نتأخر من دون أن يذكرنا أحد بموعد للعشاء أو النوم. وكانت هدية رمضان الأولى بالنسبة لنا هي الفانوس الذي كانت تضيئه آنذاك شمعة.

 

حمل محفوظ الكثير من الذكريات الرمضانية، كان يرى أن رمضان من أمتع شهور السنة بالنسبة له منذ أن كان صغيرًا ؛ ففيه كان ينقطع عن الكتابة، ليس من قبيل الكسل ولكن للتفرغ للعبادة، والتفكر فى عظمة هذا الشهر الكريم، و يقول: شهر رمضان يحرك فى نفسي ذكريات كثيرة تجعلني أشعر بالبهجة كلما تذكرتها... أذكر أنني بدأت الصيام منذ كان عمري سبع سنوات ، وكنت حريصًا جدًّا على أن أصعد فوق سطح بيت القاضي الموجود فى حي الأزهر حتى أرى مؤذن مسجد الحسين وهو يؤذن لصلاة المغرب وأتوجه مع مجموعة من أصدقائي من ميدان العباسية إلى مقهى الفيشاوي الشهير فى ميدان مسجد الحسين حتى السحور وكنا نتحدث في كل شيء حديثًا نافعًا ممتعًا، يشمل التاريخ والأدب والفن إلى جانب الأحاديث الدينية. كان رمضان يفيده كثيرًا أثناء وجوده فى الاسكندرية منفردًا؛ فأسرته كانت تفضل البقاء فى القاهرة حين يحل رمضان صيفًا بينما كان هو يفضل قضاء رمضان صيفًا في الاسكندرية.

 

يا بركة رمضان خليكي في الدار

وعن وداع اللحظات الأخيرة من الشهر وتعاطي الجماعات الشعبية لها يقول عبدالحميد حواس: كان  للغروب الأخير من رمضان وقعه الخاص منذ صباي في الأربعينيات من القرن العشرين. فقد كان يسود القرية صمت ثقيل من بعد العصر فيه أسى وترقب، وتحسب من عبور النقلة في رمضان.

 وقبيل مغيب الشمس تتصاعد روائح البخور تغمر هواء القرية. وما أن يأخذ ضوء الغسق في الانسحاب إلى ما وراء البيوت، جتى تتصاعد أصوات طرق وقرع منتظمة يتعالى منها صيحات غناء. ومثلي مثل والدتي أجلس على عتبة الباب الخارجي للدار أقرع الحديد في دقات تتوافق مع أغنية مطلعها: يا بركة رمضان خليكي في الدار/ يا شيطان اطلع من الدار.

 

أحاديث الصوفية في الليالي الرمضانية

وعن سهرات رمضان الدينية سجل شيخ الصحفيين الراحل "حافظ محمود"، ذكرياته عنها في كتابه "المعارك في الصحافة والسياسة"، تحت عنوان "سهرة مع الصالحين" بقوله: "كانت ألوان السهر في ذكر الله أو التزود من كلمات الله علما وعبادة في شهر رمضان ولئن كانت هذه الألوان كلها معروفة وقد امتد منها الشىء الكثير حتى الآن، فإن هناك لونا خاصا من سهرات رمضان، كان بعض الناس يختار في ليالي رمضان أن يستصحب أحد الصالحين المخلصين يقضي معه الليل في أحاديث الصوفية".

 

ويواصل: "رأيت أنا هذا اللون من سهرات رمضان بصحبة الشيخ محمود الأشليمي، ولم يكن شيخا بالمعني الرسمي، بل كان أفنديا يعمل رئيس مكتب من مكاتب البرق التي يجري العمل فيها باللغة الإنجليزية للخارج، كانت ثقافته تؤهله لذلك، لكن صوفيته أهلته لشىء آخر، وهو اعتزال الناس والعكوف على العبادة بغرفة صغيرة متواضعة بالقرب من المسجد الحسيني. وذات ليلة من ليالي رمضان في سنة من سنين الحرب العالمية الثانية وجيوش هتلر تجتاح كل أوربا قال لنا الأشليمي: إن هتلر مسكين، إنه سيهزم وينتحر، وكذبنا يومئذ الشيخ محمود وظننا أنه يخرف، لكن الأيام كذبت ظنوننا وحققت نبوءته".

 

رمضان شهر الإرادة

تأثر الأدباء المصريون بأجواء شهر رمضان وروحانياته، وظهر ذلك في أعمالهم الأدبية ومقالاتهم ، ومن ذلك ما كتبه العقاد في مجلة الهلال 1955 يقول : " رمضان شهر الإرادة .. ولا حاجة للصائم إلى أدب طالما عرف حكمة الصوم في تقوية الإرادة .. ورمضان موعد معلوم من العام لترويض الجماعة علي نظام واحد من المعيشة، وليس أصلح لتربية الأمة من تعويدها هذه الأهبة للنظام ولتغيير العادات شهراً في كل سنة".

روحانيات حقي وباكثير

قدم لنا الأديب الكبير يحيى حقي من كتابه "من فيض الكريم" تفاصيل الشعائر الإسلامية والعادات الاجتماعية التي تعكس جوهر شعوره الديني، فتحت عنوان "من وحي ليلة الرؤية" يكشف لنا يحيى حقي تسجيله للاحتفاء بتلك الليلة المباركة قبل دخول الإذاعة أو التلفزيون إلى حياتنا.

فلم يكن هناك مذياع يجلب للناس أخبار الرؤية في منازلهم وهم معزولون عن الآخرين, متقوقعين على أنفسهم, بل كانت جموع الصبية قبل الكبار تتجمع خارج باب المحكمة الشرعية في سراي رياض باشا حيث يجلس القاضي ينتظر وفود الرسل الذين خرجوا إلى مختلف المراصد والأماكن لرصد قطعة صغيرة من النور ليس في السماء ما هو أرشق منها ولا أجمل, وما أن تثبت الرؤية حتى تدار أكواب العصير على الحاضرين وسط هتاف الصبية "صيام صيام. بذا حكم قاضي الإسلام"، ويصف الأديب ليلة الرؤية بأن هلالها ليس كبقية الأهلّة, يظهر خطفا لا ليضيء, بل ليومئ ثم يغيب، ليجد نفسه يقول: تباركت يا شهر الصيام, ما أقوى سحرك وما أكبر حزبك.

وبكتب علي أحمد باكثير عن رمضان فيقول: ظللت منذ أكثر من ثلاثين سنة كلما أقبل شهر رمضان المبارك تمثلت أمام عيني صورة هي من نسج الخيال، ولكنها أثبت في قلبي وأرسخ في يقيني من كثير من الحقائق الملموسة، صورة موكب يعبر الزمن ويخترق اللانهاية ويدور في الفلك، حيث يتم دورته مرة كل عام في مطلع هذا الشهر الكريم.. موكب عظيم يتلألأ بنور الله ويتضوع بأنفاس الفردوس وتظلله أجنحة الملائكة وينتظم ملايين الملايين من الصائمين والصائمات من أمة محمد (صلى الله عليه وسلم)".

 

أدب رمضان

من جانب آخر هناك بعض الروايات التي جرت أحداثها كاملة فى شهر رمضان مثل رواية "17 رمضان" لجورجي زيدان ، وهناك من الروايات ما يعد مرجعاً متكامل الجوانب يمكن الاستدلال منه على طبيعة شهر رمضان وخصوصية تعامل المصريين معه ، مثل رواية "خان الخليلي" لنجيب محفوظ، "وفي "بيتنا رجل" لإحسان عبدالقدوس.

وهناك ورواية "الرهينة" للكاتب زيد مطيع دماج الذي يقدم "بانوراما" متكاملة لشهر رمضان في اليمن في الأربعينيات من القرن العشرين، ورواية الكاتب محمد جبريل التي حملت عنوان "مد الموج"، حيث يتعرض لرمضان من خلال ذكريات الطفولة ، فيصف ألعاب أطفال الإسكندرية في رمضان منتصف الأربعينيات.

أيضاً من ضمن الأعمال قصة "رمضان " التي ضمنها الأديب الكبير يوسف إدريس مجموعته القصصية "جمهورية فرحات" عام (1956)، التي تناول فيها صوم رمضان، من وجهة نظر صبي في العاشرة من عمره.

 

إضافة إلى ما سبق، توجد بعض الأعمال الإبداعية الأخرى التي سارت على الدرب ذاته مستلهمة لأجواء الشهر الكريم، أو متخذة منه زمانا لأحداثها مثل: عودة الروح لتوفيق الحكيم، ورواية "لا أحد ينام في الإسكندرية"، لإبراهيم عبدالمجيد، التي نطالع من خلالها العلاقة الحميمة بين بطلها الشيخ مجيدالدين المتدين النازح من إحدى قرى البحيرة وجاره المسيحي الذي يتعامل معه وكأنه يشاركه الاحتفال بهذا الشهر، جامعًا حالة إنسانية وممثلا حالة وطنية واحدة.

 

وكذلك رواية "محب" لعبدالفتاح الجمل، وقصة "بائعة الكنافة"، للقاص سعد حامد، وقصة "أكان لابد أن تضيىء النور يا لي لي"، التي قام فيها بتصوير سهرات تعاطي الحشيش في حي الباطنية حيث لم يردع حلول رمضان المتعاطين.

 

ويلاحظ أن شهر رمضان ارتبط في أعمال العديد من الأدباء بالخير والمعجزات وتحقيق الانتصارات وتنقية النفوس واستجابة الدعاء، ففي قصة "معجزة في رمضان" لإبراهيم المصري من مجموعة "صور من الإنسان" نجد بركات شهر رمضان تحل في زوجة مصطفى بك التي يهبها الله حملاً منه بعد أن يئست من الحمل. وإسماعيل المشلول في قصة "بائع العطور" لمحمود البدوي، الذي يسترد قدرته على الحركة بعد أن غفي في أحد نهارات رمضان واستيقظ على تكبير الناس وهم يهللون فرحاً باقتحام الجيش المصري لخط بارليف ورفع علم مصر على أرض سيناء، فينتفض وينسى عكازه كأنه لم يكن مشلولاً من قبل.

كما صور الكاتب علي أحمد باكثير انتصار الجيش المصري في معركة عين جالوت في رواية "واإسلاماه" وبين أثر الصوم في ذلك حيث يقول: وخر الملك ساجدا لربه، ثم رفع رأسه وخطب قائلاً: أيها المسلمون، إياكم والزهو بما صنعتم، وما يدريكم لعل دعوات إخوانكم المسلمين في هذه الساعة التي حملتم فيها على عدوكم، يوم الجمعة وفي هذا الشهر العظيم..شهر رمضان، كانت أمضى على عدوكم من السيوف.