يذكرني الصوم بالحب ويقودني الحب إلى التفكير في الله وهكذا يرتبط المفهومان الصوم والحب عند الراحل أحمد بهجت كما

أحمد بهجت,مذكرات صائم

الجمعة 25 سبتمبر 2020 - 16:20
رئيس مجلس الإدارة
أحمد التلاوي
رئيس التحرير
إبراهيم موسى

"مذكرات صائم" لأحمد بهجت.. ضحك ودموع في رحلة النفوس المشرقة

أحمد بهجت مؤلف مذكرات صائم
أحمد بهجت مؤلف مذكرات صائم

من النسخة الورقية

"يذكرني الصوم بالحب، ويقودني الحب إلى التفكير في الله" وهكذا يرتبط المفهومان الصوم والحب عند الراحل أحمد بهجت كما عبر في رائعته "مذكرات صائم" وهي ملحمة وجدانية تستحضر النفخة الربانية في الطين والتي جعلته إنسانا يفكر ويشعر ويمتلك الإرادة للاختيار بين طريق الله وما سواه، كما تتأمل المذكرات أحوالنا: هل صعد الغرب للقمر وهبطنا نحن لقمر الدين؟

يقول بهجت: في هذا الشهر أحس بوهجٍ .. وكأن القاهرة كلها تدخل قلبي بمآذنها الألف وقبابها المزخرفة وأحيائها القديمة.. تكتسي البيوت شيئا من الجلال والرقة.. فوانيس تضيء أركان الدكاكين.. واستيقظ قلبي مع كل بعث لهذا الشهر.. أحس نحو كل الكائنات بالحب ويملؤني إدراك للعلاقة بين تنهد القمر ومد البحر وجزره ..

صاحب تلك المذكرات هو من ملأ حياتنا بأروع كتابات عن قصص القرآن وإشراقات محبة الله والتي تجسدت على هيئة رسوم متحركة في الدراما وأعمال إذاعية، وقد أهدى مذكراته للمتصوف الأشهر ذي النون المصري.. حرف النون في اسمه.. إلى النقطة اليتيمة التي تبدأ عندها حسرات المحبين..

وسطور بهجت تبادلك الضحك والبكاء من واقعنا، بلغة ساخرة تقتنص من حياتنا عشرات المواقف، ولكنه أيضا يصنع حكاية درامية في النصف الثاني من المذكرات، بطلها يشبهه وهو يطارد حبيبته "نور" التي غابت منذ زمن، ويخوض حديقة الذكريات ويقتطف ثمرة الندم ويقرأ بتمعن رسائلها التي تدعوه للتخلي عن شوق زائل سيؤدي به للجنون والتعلق بالحب الذي يمنحه الإرادة والحياة.. محبة خالقه.

كما تحمل المذكرات وعيا تاريخيا عميقا بتراث رمضان، يطوعه الأديب فنيًا؛ فتجد حكاية الجد المملوكي الضرير الذي يستطلع الهلال وصبيه الذي هام في عشق فتاة فأوقع المسلمين في حيرة! أو كيف كانت بيوت القاهرة عامرة بالمنشدين والقراء استقبالا للشهر، ويعود لما سبق ذلك من عصور حيث جده القبطي صانع السيوف في عهد الرومان، والذي وجد في المسلمين الجدد أمانة وطهرا دفعاه للإسلام ثم كيف أصبح الأحفاد يعيشون مظاهر زائفة للتدين ويسمون النفاق "حسن التصرف" ويهمسون بما لا يعلنون.

طعم البيوت

فكاهة جميلة تطل من بين السطور حين يتحدث أحمد بهجت عن بيته وزوجته التي كان النشاط يدب فيها وتعلن حالة الاستعداد القصوى داخل المطبخ بدء من السحور وصولا للإفطار.. ويتذكر أمه في بيته القديم بكل متناقضاته وعظمته.. هيبتها الكبيرة.. طعامها الذي يشبه اللوحات الحية.. والأرز المخلوط الذي يذكر بمآدب الخديوي اسماعيل، ويحدق في معنى الصوم الذي يختلف بين كبار السن والشباب؛ فيكون مشتملا على معان أرهف من الشعور بالذنب واقتراب الأجل، وليس فقط كبح رغبات الجسد

يمد بهجت يده ويتذوق الأصناف مجاملا فتصيبه تخمة، ويتذكر ان نبي الإسلام كان طعامه الخبز الجاف المغموس في الزيت.. وبهذا الجوع يشرق الوجدان حقا، أما الشبع فيسد مسامات الروح.

رمضان كريم !

بلسان حال موظف حكومي، يعالج أحمد بهجت "سكرات الصوم ساهما"، يمضي عشرات الأوراق، مستكينا للوظيفة التي تعد عند قطاع كبير "أهم من الحضارة والهيلمان".

يلقى عامل البوفيه فيخبره أن خمس مقشات قد ذابت في عشرين يوما رغم أن التراب يكتسح كل شيء!.. وحين يسأله عن العصي الخشبية يخبره العامل أنه يحتفظ بها لتسليمها كعهدة! هنا يستعيد معنى الشرف الذي ظل العرب يحصرونه في العلاقة بالنساء فحسب، ولا يذهبون في أشعارهم وتراثهم للرشوة والسرقة والغش، باعتبارها نواقض للشرف الرفيع!

كثيرون يعلنون ثورات الغضب باسم الصوم، وآخرون يتركون مهامهم الحقيقية في أعمالهم قائلين "اللهم إني صائم"، وتنتشر اللافتات الانتهازية التي تستغل الشهر الكريم للدعاية لأصحابها، كما تستغل كل المناسبات الأخرى.

في حي الحسين

يذهب بهجت لمسجد الحسين والراحة التي تغمر من يدخله وكأنه عطر عنبر الحوت الذي ابتلع سيدنا يونس عليه السلام فنادى من جوفه أن "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين" وربما رائحة دماء الحسين الشهيد الذكية..

يتأمل الكتل الخرسانية المقبضة لفنادق غريبة عن طبيعته العتيقة الروحانية، والتي تمتد أمام المسجد في شبكة بائعين لكل شيء من الحلوى للسبحة للفانوس.

يستمع لمقريء القرآن المجاور فيتعجب أن الناس تهلل لآيات النار والوعيد؛ ربما كان المقريء يؤديها بصوت فرح ومقام "سيكا"، وهذه حقيقة أحيانا، فهذه الآيات لو عرف القلب حقها لتزلزل كما الجبل الخاشع ينهدم.

يتأمل أحوال دعاة المتصوفة وهي ظاهرة قديمة، حين يتخذ البعض تلك المسحة لكسب مكانة وتحقيق منافع، والنمط العجيب لكلمات بعض المنشدين من عينة: من كتر حبي في الحبيب أنا سبت أشغالي وعيالي.. وحلقات الرقص البعيدة عن حقيقة ذكر الله عز وجل.. يدعو بعضهم بأن ينشغل الغرب بالعلم لنعبد الله .. وهذا أقسى أنواع الإساءة لهذا الدين.

ينظر لصاحبه وهو يريد "خطف ركعتين" والآخر ينام حتى حضور الطعام في المغرب، حتى داخل المسجد يجد أن شيطانه يخالجه مع كل ركعة يذكره برغباته والدرجة الثانية التي تنتظره قريبا.. ويدرك بهجت كيف يتحول الدين لسبحة معطلة وفانوسا أثريا وكلمات تتمتم بها الشفاه وتنقطع صلتها بالإرادة.. رغم أن الصوم هو العبادة الوحيدة التي لا تظهر في شكل حركات، بل صلة صادقة خفية بين العبد وربه.

حتى حصة الدين تحولت في أحيان كثيرة لألعاب ونوم وخاصة في رمضان! هذا إن لم يتحدث المدرس بما يكره طلابه في دينهم، ولجوئنا للمصاحف كثيرا ما يكون موسميا وهو الحال مع الدعاء وقت الشدة وليس الرخاء، بمنطق "البقالين اليهود".

فضفضة إبليس

في المذكرات تدور محادثة بين الكاتب وإبليس، فيخبره الأخير أنه قد عبد الله آلاف الأعوام قبل أن يرفض السجود لآدم، كان قد عرف أن الله كشف باطن نيته وهو يتعبد فيما الرياء والرغبة في الترقي بين درجات الملائكة في قلبه.. لم يعتذر او يتب حين طرده الله من رحمته لعصيانه .. عرف أن طبيعة آدم مزدوجة وداخله صراع بين النفخة الربانية وطبيعته الطينية المليئة بالرغبات والشهوات.. ومن الضروري لدخول الجنة ان يهزم الجلال الطين.. أن يسمو الإنسان عن شهوته ويعمل إرادته..

رأى كاتب المذكرات إبليس محاوره لا يعرف بسمة ولا دمعة؛ فهو محروم من الرحمة ويائس من التوبة، ولهذا فقد تحولت مهمته لحمل اليأس إلى الناس.. أن تصبح قراءتهم للقرآن بالشفاه لا تتحرك معها إرادة.. أن يدفعهم بمكر متجدد لمزيد من الغوايات المرتبطة بالعصر، فيما يرى بعضهم قد بدأ في إضلال نفسه بنفسه ولم يعد بحاجة إليه!

حديقة الذكريات

ينام بهجت في المسجد ذات يوم، ويحلم بأنه يتجول في حديقة الذكريات وهي تزهر الندم ويظل يقطفه مع كل خطوة في الظلام، لأنه كان بعيدا عن طريق النور.. ليست نور حبيبته البشرية.. وإنما النور الأبقى لقلبه.. وهكذا تخبره هي في رسائلها، وخلال رحلته يلقى كبار المتصوفة من "أهل التوبة والندم" ابن عربي والتوحيدي والمتنبي، لينتهي به المطاف عند الشيخ يقول: إن مائة وأربعة وعشرين ألف نبي، بعثوا ليعلموا الناس كلمة واحدة هي الله.. فمن سمعها بأنه لم تلبث أن تخرج من الأخرى، أما من سمعها بروحه، وطبعها في نفسه، ونفذت إلى أعماق قلبه، وفهم معناها وألهم حبها، فقد انكشف له كل شيء.

محبتك لله هي أن تراه وتهابه وتحبه وحده، أو كدعاء النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم أني أسألك حبك"، وقد لقي بهجت في منامه أبا الحسن الشاذلي يدعو "ربنا.. ألبسني التقوى منك" إنه يقصد تبديل السلوك والشخصية، وليس الثوب البالي، ولهذا يقول الله تعالى في كتابه الحكيم: "ولباس التقوى ذلك خير".

ظل الثوب دليلا على التغير (طرف ثوب عيسى عليه السلام يشفي، وبردة النبي محمد تعني الأمان والرفعة، وقميص يوسف عليه السلام لإخوته يجعل أباه بصيرا)؛ نلبس الأبيض بأفراحنا والأسود بأتراحنا، وكأن علاقة ما بين اللباس وتطهير الروح.إن الكون يبدل الثياب: "المساء يبدل ثيابه ببطء.. ثوب الغروب الأحمر يفسح مكانه لثوب رمادي معتم. ما يلبث أن يتحول لزرقة سوداء مع الوقت، ثم يبقى السواد حتى إشراق فجر جديد"

وبهذا الإشراق ينطق بهجت: كانت خطيئتي أنني معتم من الداخل.. لو كنت مضيئا ونقيا داخلي لتحدثت إلى الكائنات" وقد بدأ يرى كل الصور الجميلة في الوجود صفحات تشير إلى جمال الله.

يقول الشيخ المرافق لبهجت في حديقة ذكرياته وكأنه ضميره الحي: الطريق إلى الله طويل، شاق، لا يقو عليه إلا قلب محب..

البشر من طين يتلوى ويتشكل بحسب الظروف، هل تتخيل أن قوم فرعون استخفوا به لادعائه الالوهية ثم أطاعوه.. كثرة الضغط تحولنا لمسوخ بلا عقل، "يفسد العقل من الهراء الدائم المنسكب فيه من الحياة حوله" وليس من علاج سوى حب الله.. إن في الحب عنصرا خاصا للمقاومة، وعلى قدر محبتك تجيء صلابة المقاومة.. هذا قانون الكون.