السياسة_جمال عبد الناصر_عبد الناصر

الثلاثاء 24 نوفمبر 2020 - 17:36
رئيس مجلس الإدارة
أحمد التلاوي
رئيس التحرير
إبراهيم موسى

عبد الناصر ..خلع عباءة التمثيل لأجل السياسة

جمال عبد الناصر_أرشيفية
جمال عبد الناصر_أرشيفية

كتب :عمرو شوقي

هل منعت السياسة عبد الناصر من أن يصبح من رواد كتابة الرواية في الوطن العربي؟

لم يكن عبد الناصر مجرد ضابطا ثائرا قرر أن يثور على نظام ملكي فاسد، بل كان مثقفا وطنيا ومفكرا مهموما بشؤون بلده، ينطبق عليه وصف الشاعر فؤاد حداد لبطل الثورة العرابية محمد عبيد؛ "وجبينه صاحب همّ بيفكر".

الثقافة عند عبد الناصر كانت مقترنة دائما بالثورة والتحرر والقيادة والحكم.. لذلك عندما انبهر كان انبهاره برواية "عودة الروح" لتوفيق الحكيم، المليئة بأفكار الثورة والاتحاد ضد الظلم، وعندما جرب حظه في التمثيل، جسد دور "يوليوس قيصر" في مسرحية شكسبير ضمن برنامج الحفلة التمثيلية السنوية لمدرسة النهضة عام 1935، وعندما كتب لأول مرة كان عنوان المقال "فولتير.. رجل الحرية"، ونُشر في مجلة نفس المدرسة حين كان الطالب جمال عبد الناصر حسين في السادسة عشر من عمره!

ويبدو أن نداهة الكتابة ندهته، أو لعل أفكاره الوطنية الثورية الملتهبة ألحت، عليه فلم يستطع إلا أن يفرغها على الورق، فكانت رواية "في سبيل الحرية" التي بدأها وهو في نفس السن، لكنه لم يكملها، اكتفي بـ4 فصول من الرواية، إضافة إلى فصل خامس لم يكتمل، ثم تطوع العديد من الكتاب فيما بعد لإتمامها.

"في سبيل الحرية" كانت تتناول غزو الإنجليز لمصر فيما يعرف بـ"حملة فريزر"، أما الأسلوب فجاء مبشرا بأديب جيد لو وضعنا في الاعتبار عُمر الزعيم الراحل إبان كتابة تلك الرواية، وعُمر فن الرواية نفسه وقتها!

غير مخطئ من يقول إن السياسة قد تكون منعت عبد الناصر من استكمال مشروع روائي مبشر، ولتقرأ له بنفسك ما كتبه ضمن أحداث الرواية وهو لا يزال في سن المراهقة: "لقد كانت وداد –وهي من علية القوم وابنة أحد أشراف البلدة- ذات عينين سوداوين ناعستين، وشعر مسترسل على جبينها، ووجه مثل البدر وسط السحاب.. أخذت هذه الصورة الجميلة تتراءى لمحسن وتسيطر على عقله وهو جالس في الشرفة مع والدته.. وراحت الحوادث الماضية تكر أمامه، فقد كان –بعكس أخيه إبراهيم- خاملا لا مكانة له في القرية".

 لا نستبعد بعد ذلك أن يهتم عبد الناصر دون زملائه المقاتلين في حرب 48، بكتابة يومياته وسط نكبة فلسطين والعرب. ولا أن يصدر عقب الثورة كتابه الأشهر "فلسفة الثورة"، والذي انشتر أن الصحفي الراحل محمد حسنين هيكل هو كتبه، وهو ما رد عليه هيكل قائلا "نعم أنا كاتب الكتاب، لكني لست مؤلفه"! فقد أملى عبد الناصر أفكاره وخواطره عن الثورة على هيكل، الذي بدوره سجلها ثم فرغها وصاغها ونشرها على 3 حلقات عام 1953 بمجلة "آخر ساعة" التي كان يرأس تحريرها.

وشدد هيكل في لقاء عبر قناة "الجزيرة" على أن الزعيم الراحل أثنى على دوره في خروج هذا الكتاب للنور، على غلاف الطبعة الأولى منه.

وما يؤكد أنها كانت فصولا صحفية، مطلع الفصل الثالث من "فلسفة الثورة"، والذي يقول "مرة ثالثة أعود إلى فلسفة الثورة.. أعود إليها بعد غيبة طويلة امتدت أكثر من ثلاثة أشهر حافلة بالأحداث السريعة والتطورات المتلاحقة".. أي أن الفصل الثالث أو الحلقة الثالثة تأخر نشرها عن الحلقتين الأوليين.

هذا عبد الناصر كاتبا ومؤلفا، فكيف كان مكتوبا عنه؟ سترى هنا الرأي وعكسه، الشيء ونقيضه، كتب تذهب لأقصى المديح وكتب تبلغ أقاصي الذم والهجاء، أما الأغرب فكان الكتب التي تحمل تنافضاتها بين طياتها، ككتاب أنيس منصور "عبد الناصر المفترى عليه والمفتري علينا"، والذي تشعر من عنوانه أنه محايد، لكنك ستكتشف بعد أن تنتهي منه أن الشيء المحايد الوحيد فيه هو عنوانه!

هيكل كتب كثيرا، لكن يبقى الأهم "لمصر لا لعبد الناصر" الذي رد فيه على ثغرات هوجم من خلالها ناصر في عهد السادات، كمذبحة القضاء، وحرب اليمن، وأزمة الديموقراطية عام 54، وغيرها. وهو من أصدق كتب هيكل، فلك ألا تصدق كتابات "الأستاذ" عن ناصر في حياته، على اعتبار أنه سبق أن مدح الملك فاروق مثلا في حياته، وانتقده بعد وفاته، وبالتالي ستكون كتاباته عن عبد الناصر بعد عام 70 أكثر صدقا.

وهنا يطرأ توفيق الحكيم على الذهن، بعدما تذكر فجأة مساوئ الحقبة الناصرية عقب وفاة عبد الناصر، مع أنه ظل مؤيدا مبايعا طوال الخمسينيات والستينيات! فكتب "عودة الوعي"، الذي رد عليه محمد عودة بكتاب أقوى وأصدق بعنوان "الوعي المفقود"، وهو كتاب بدأه "عودة" بقصة أو حكمة قد تلقيك على ظهرك من الضحك: "قال الموسيقار الشاب للمايسترو الكبير: بالنسبة لتوسكانيني الفنان فإنني أحني رأسي، وبالنسبة لتوسكانيني الإنسان.. وخلع حذائه وانهال عليه". كثيرون رأوا توفيق الحكيم بنفس عين محمد عودة ونفس عين الموسيقار الشاب!

وعندما ننتقل لما كتب عن الزعيم الراحل بالإنجليزية، سنذكر هيكل أيضا، فأول كتبه بغير العربية كان "عبد الناصر والعالم" عام 1971، وتناول كل فصل من الكتاب علاقة عبد الناصر بواحد من القادة أو الزعماء أو الثوار، كجيفارا ونهرو وتيتو ودالاس وإيدن، وغيرهم.

ثم نأتي إلى "جمال عبد الناصر"، وهو اسم كتاب أنصف الزعيم الراحل، للكاتب الروسي "أجاريشيف"، والذي يقول في أول صفحة واصفا مصر قبل ناصر: "كان المجتمع المصري أشبه بتورتة تزين مائدة الملك في الأعياد"، ويقارن في آخر صفحة بين عدد من مشوا في جنازة ناصر، وعدد من ودعوا جثمان السادات، 5 ملايين هنا و600 فرد هناك! فالكتاب صدر عام 1982، بعد مقتل الرئيس الأسبق بشهور.

وإذا خرج من روسيا كتاب شهير مؤيد لـ"أبو خالد"، لا شك سيخرج من الولايات المتحدة كتاب شهير معارض له.. إنه "لعبة الأمم" لرجل المخابرات الأمريكية مايلز كوبلاند، الذي حاول بكل ما أوتي من أحبار أن يشوه صورة قائد ثورة 23 يوليو، ويلصق به أنه "صناعة أمريكية"، لكن في النهاية أصبح الكتاب وثيقة إدانة لأمريكا ومخططاتها لاختراق أنظمة الحكم العربية.

الاهتمام المحلي والعالمي لا يقول سوى إن هذا الرجل حقا تأثيره فاق حدود المكان فتخطى مصر والوطن العربي إلى العالم كله، وفاق حدود الزمان فتخطى عام 70 إلى 2017، وإلا فلماذا كل هذا الحرص على مهاجمة عبد الناصر إلى الآن من الرأسماليين أمثال نجيب ساويرس والرجعيين أمثال عمرو موسى؟