http://elyomnew.com/ReadersNews/Details/230?n=الصهيونية_عن_الفلسفة_اليهودية_عماء_عن_العماء

اليوم الجديد

السبت 6 يونيو 2020 - 12:47
رئيس مجلس الإدارة
أحمد التلاوي
رئيس التحرير
إبراهيم موسى
الصهيونية عن الفلسفة اليهودية عماء عن العماء

الصهيونية عن الفلسفة اليهودية عماء عن العماء


منذ نشأتها وامتدادها عَبرَ الأزمنة والعصور، تُظهِر لنا الفلسفة اليهودية أساسها الهش وثغراتها العميقة والشروخ التي تطال منهجها وبنيانها الأساسي، هذا المنهج أو الفلسفة اللذان يتحكمان باللغة والمضامين والعادات والتقاليد، حيث تأتي الأخصيّة هُنا بعلاقتها بموروثها وبالأخر، لتندثر هذه الفلسفة مع الطرد الذي قام به الملوك الإسبان الكاثوليك فكان الطرد الأول لهم مع المسلمين عام 1492 "هذا العام نفسه الذي تم فيه اجتياح عالم الهنود الحمر في أمريكا والتي تُدعى الآن "بأمريكا اللاتينية" وكان هذا الطرد تمهيداً للطرد الثاني عام 1609 الذي شمل "الموريسكيين" وهم العرب والبربر .

بدأ خطأ الفلسفة اليهودية السيفارديّة بالتفاقم في القرون المتوسطة هذه الفلسفة التي شملت الفلسطينية أولاً ومن بعدها البابلية ثم الإسكندرية ف الأندلسية، إلا أننا في حقيقة الأمر نجد أنّ علاقتها مع الفكر الأخر قائمة منذ "العهد القديم"، فلا يمكن إنكار أنّ هذا الكتاب يؤسّس للديانة التوحيدية، إلا أنه كان بعيداً كل البعد على أن يكون مؤسس لثقافة دينية وغيبية، بل كان مزيج من الأسطورة ومن عقلانية معينة مستعيناً بالغيب الأسطوري في ظل الغياب الديني، هذا الغياب الذي اعترف به المؤرخين اليهود أنفسهم مثل "نَيير" الذي اعترف باستعارات من الأساطير والقصص والمعتقدات السابقة له، مصرية قديمة كانت أم بابلية .

أما في الحديث عن الفلسفة اليهودية الإشكنازية فمن المعروف عن المفكرين الإشكناز أنهم عازفون عن الفلسفة كلياً، ولم يضيفوا إليها شيئاً، إلا أنّ التحول الكبير الذي ظهر على هذه الفلسفة بدأ في القرن الثالث عشر متأثرة بالتصوف اليهودي الأندلسي، والفكر الميموني "نسبة إلى ابن ميمون كبير الفلاسفة اليهود ممن كتبوا بالعربية" طرح تساؤلاً كبيراً لتأتي الإجابة واضحة من ناحية ابن ميمون والأندلس وهو أنّ أحد التقوييّن الذي يدعى "بصامويل التقي" قام بزيارة إلى الأندلس وعاد بالفكر الميموني بجوانبه الصوفية لا الفلسفية، لتُأسسَ في القرن الثامن عشر حركة باسم "التقويين"في العبرية "حاسيديم" وهي حركة يهودية صوفية تأسست في أوروبا الشرقية في مدينة براغ ومازالت منتشرة في الأواسط الشعبية حتى يومنا هذا .

وما لا يمكن للتاريخ إنكاره أن في ذلك الوقت لا نجد في الفلسفة اليهودية من يتحدث بلسانها ولا مذاهبها ولا حتى فكراً جديراً بالذكر في تاريخها، وهذا يعني أن الفكر اليهودي يندرج إلى الكلام بلغة الفلسفة، إلا أن التصوف اليهودي في القرن السادس والسابع عشر بدأ بتوجيه الفكر اليهودي وتنظيمه في مدارس وتيارات، ومن أهم هذه المدارس كانت مدرسة صفد في فلسطين والتي أسسها اليهود المطرودون من اسبانيا كما ذُكِرَ سابقاً .

انتقالاً بالتاريخ إلى القرن التاسع عشر الذي كان بداية لحركة مضادة تهدف إلى تحرير الفكر اليهودي من ماضيه الديني والتقليدي التي تجاوزت الفلسفة والتصوف اليهودي، متجهه نحو نزعة إنسانية علمانية وكونيّة وخروج من الاعتقاد الديني اليهودي عن اليهودية نفسها، ومن هنا انبثقت الصهيونية،التي أطلقت بخيوط الفكر اليهودي لأول مرة عام 1890، ففي أول كتاب صهيوني مزعوم فلسفياً "روما وأورشليم" الذي ظهر في فترة انبعاث القوميات حيث قام مؤلفة "موزيس هس" برسم خيطاً ناظماً بين أنبياء إسرائيل واشتراكية القرن التاسع عشر، والذي أكد أنّ الثورة الاشتراكية لن تتحقق إلا بتجمع اليهود كافة على أرض فلسطين .

وهنا كان من الأجدر ذكره هو وجود حدثيين لافتيين في أوروبا الشرقية والغربية دفعا بالمفكرين الغربيين إلى مغامرة صهيونية، حيث شهدت أوروبا الشرقية عام 1882 مذابح لم يتعرض اليهود لمثلها في تاريخهم، ومن بعدها قام هرتزل الذي كان يعمل صحفياً بإصدار كتاب حمل عنوان "الدولة اليهودية" رداً على محاكمة ضابط يهودي قام بخيانة عُظمى في فرنسا، حيث كان هذا الكتاب واحدً من الأسباب التي لها علاقة بتحول الفكر اليهودي إلى الصهيونية مع دنو اقتراب القرن العشرين، لتأتي بعدها ألمانيا بغرف الغاز التي زادت من حدة الإندفاع، ومن هنا بدأت أوروبا الشرقية تشهد اجتماعات حامية لمثقفين يهود يدعون من خلالها إلى صياغة فكر صهيوني ذي نزعة غير دينية، إلا أنّ التيار الديني في مختلف اتجاهاته زج نفسه في معمعان التأسيس لدولة إسرائيل على أرض فلسطين كردّة فعلٍ على أحداث معينة وليس استجابة للوازع الروحاني العميق، ورويداً رويداً تمحور الفكر الصهيوني ليكون "بصورةٍ اشكنازية ".

تظل الصهيونية في جانبها المدّعي العلمانية والإنسانية والاشتراكية بما فيها الفكر المتعاطف معها، "عماء عن الأخر"، وإنّ كلّ شيء قامت به الصهيونية من تزوير وسلب واحتلال فلسطين وتهجير واجتياح شبحاً سيظل يطاردها إلى الأبد .