http://elyomnew.com/ReadersNews/Details/222?n=حوار_الروح_المنفية_واللاجئة

اليوم الجديد

الخميس 9 يوليو 2020 - 17:05
رئيس مجلس الإدارة
أحمد التلاوي
رئيس التحرير
إبراهيم موسى
حوار الروح المنفية واللاجئة

حوار الروح المنفية واللاجئة


إن داخل كل شخص منفي شعور ملازم يقبع في ثنايا عقله وحنايا قلبه ، ولا يمكنه التغلب على هذا الشعور البتّة لأنه نابع من الواقع الأساسي للإنسان المنفي ، من ذاك الألم الذي لا يفارقه ولا يبرأ منه أبداً ، ذلك الجرح المتعلق بالمكان الأصلي بين الذات وموطنها ، حتى أن أغلب كتب التاريخ والأدب ذخرت بعدة أمثلة عن المنفى واللجوء ، فمنهم من اعتبرها ولادة مرحلة جديدة في حياة المنفي ، ومنهم من اعتبرها أمجاداً وتعظيماً في حياة شخص ما ، ولكن كل هذا لا يمكننا أن نعتبره نقطة فاصلة كونها تعد بذل جهود للتغلب على أحزان الاغتراب والمنفى المحبطة ، بل هي بدايه فعلية يحددها الشخص المنفي ، وفي هذا النطاق تندرج عدة صور للمنفي فمنهم من يعود بصورة لامعة براقة (وإن شابتها لمسه من الانتقام) ك ماو و لينين ، أما المنفي الحقيقي وهذا ما يعني أغلبنا (فلا رجعة منه) لا معنوياً ولا واقعياً ، فمهما بلغت إنجازات الشخص المنفي الحقيقي فإنه دائماً سيشعر بفقدان شيءٍ ما تركه خلفه .

لا يمكننا إنكار خصوصية المنفى التي تجعل كلمة منفي وحدها محاصرة باللامبالاة تائهة ووحيدة ، وعلى هذا النحو يمكننا الفصل بين كلمة مغترب ومنفي ولاجئ ، فكلمة لاجئ في الوضع الراهن تعتبر كلمة سياسية أكثر منها إنسانية التي تشير إلى أسراب من الأبرياء الحائرين اللذين يريدون مساعدة دولية محلية لا ورقة تستخدم لعدة مصالح سياسية ، بينما كلمة منفي تحمل في طياتها لمسة من العزلة والروحانية ، أما المغترب فهو الذي اختار العيش في بلدٍ غريب لأسبابٍ شخصية أو اجتماعية لكنه لم يجبر على ذلك .

وهناك العديد من المنفيين ينظرون إلى غير المنفيين بنظرةٍ يشوبها بعضٌ من الحقد وهذا لأنهم ينتمون إلى محيطهم الطبيعيّ بينما الإنسان العادي المنفي لا ينتمي دائماً ، وهذا ما  يقربنا من التشبيه ب (أميركا) التي هي في الأصل أممٌ مهجرة منفية، وهذا ما يبرهن قلقها الدائم ايزاء من هم من غير الأميركيين، وهذا ناتج عن عدم الثقة أمام كل ما هو محلي وأصلي وحقيقي .

ولهذا أيضاً يقضي المنفي واللاجئ الجزء الأكبر من حياته للتعويض عن خسارته وغالباً ما يكون بإنشاء عالمه الخاص الجديد الذي يفرض عليّه نفسه ، لذلك نجد أغلب المناضليين والسياسين والروائيين والشعراء والمفكريين إما منفيين أو لاجئيين ، ومن المنطقيّ جداً أن يتسم هذا العالم الخاص ب اللاواقعية التي تجعل هذا العالم الخاص عالماً وهمياً ك شكلٍ من أشكال الرواية الأدبية التي توثق من احداثٍ لا واقعية(الطموح والخيال) وهي بذلك أكثر الأشكال تعبيراً عن الحنين للوطن حنيناً (يتجاوز كل الحدود).

ومن الجدير بالذكر أيضاً أنّ النظرة الأساسية للمنفى هي النظرة الدينية ، لأنها دخلت في العديد من الايديولوجيات السياسية وغالبية القصص والأساطير التقليدية وفي هذه النظرية ، وهنا يجب أن نذكر منفى الأنبياء من ديارهم التي كانت تمهيداً لعودتهم حاملين راية الانتصار والسلام وهذا كان حال سيدنا موسى  وسيدنا يوسف

وسيدنا عيسى وسيدنا محمد عليهم الصلاة والسلام ، حيث يصبح المنفى هنا شرطاً من شروط  الوصل إلى الوضع الأفضل ، وأيضاً هناك قصص كثيرة تُسمع عن العديد من الأبطال التي تجول بقاع الأرض ، وعن منفى أمةٍ كاملة أصبحت فيما بعد دولة ، وهذا كله يساعد المنفيّ على (فهم نفسه) .