http://elyomnew.com/ReadersNews/Details/212?n=التدين_شكل_أم_مضمون؟

اليوم الجديد

السبت 6 يونيو 2020 - 13:15
رئيس مجلس الإدارة
أحمد التلاوي
رئيس التحرير
إبراهيم موسى
التدين شكل أم مضمون؟

التدين شكل أم مضمون؟


هل شعرت ذات مرة، وأنت فى إحدى المصالح الحكومية أو وسائل المواصلات، أو أثناء استقلالك إحدى عربات مترو الأنفاق فى القاهرة، فى كل هذه الأماكن ذات التجمعات الكبيرة، أنك فى مكان يكاد يشبه إذاعة القرآن الكريم أو إحدى المحطات الفضائية الدينية أو حتى فى الحرم المكى أو النبوى الشريف، فلا تمر دقيقة إلا وتسمع آياتٍ قرآنية وأدعية وأحاديث نبوية متنوعة، وأحياناً الأذان فى غير أوقات الصلاة، ومصدر هذه الأصوات ليس الإذاعة أو التليفزيون بالطبع، بل هى رنات الهواتف المحمولة التى يحملها المتواجدون من حولك فى ذات المكان.

وهل دار بعقلك وخطر ببالك أنَّ ما يحدث من حولك هو ظاهرة جديدة ومستحدثة من ظواهرالتدين الشكلى المتفشى حالياً فى المجتمع المصرى؛ هذا التدين الذى أصبح سائداً ومنتشراً بين معظم الناس بشكل أقرب للهوس، وفى كثير من الأحيان يكون مفتقراً إلى الصدق والمصداقية ومجافياً للتدين الحقيقى، وما يترتب عليه من حلاوة الطبع، وسلامة الذوق، وحسن الأدب، والتعامل الراقى مع الآخرين.

وبالطبع هذا السؤال الطويل، شأنه شأن كل الأسئلة الحائرة

من يقولون نعم للتدين شكل خاص، غالباً ما سيحتجون بالآية الكريمة الواردة فى سورة الفتح «محَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ» (29).

ويرى أصحاب هذا الرأى، أنَّ فى قوله تعالى «سيماهم فى وجوههم» دليلاً على أن للتدين شكلاً خاصاً ومتميزاً، فى حين أنهم لو رجعوا لكتب التفسير لوجدوا أن الأمر خلاف ذلك تماماً، ففى (أحكام القرآن) لـ«ابن العربى»، وفى تناوله لتأويل «سيماهم فى وجوهههم» نجده يقول: «وقد تؤولت على ستة أقوال: الأول: أنه يوم القيامة.

الثانى: ثرى الأرض، قاله ابن جبير.

الثالث تبدو صلاتهم فى وجوههم، قاله ابن عباس.

الرابع أنه السمت الحسن، قاله ابن عباس والحسن.

الخامس أنه الخشوع، قاله مجاهد.

السادس أنه من صلى بالليل أصبح وجهه مصفراً، قاله الضحاك.

وقد قال بعض العلماء: «من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار».

 ومن الواضح للوجوه الستة التى أوردها «ابن العربى» فى تأويل «سيماهم فى وجوههم»، أنها كما جاء فى الوجه الأول لا تتحدث عما هو حادث فى الدنيا، بل المقصود بها هو صورتهم وسمتهم وسيماهم يوم القيامة، وفى باقى الوجوه، فإنَّ الغالب والمرجح أن المقصود هو أمر معنوى يتجلى فى الخشوع والسكينة ونور الوجه وحسن السمت.

وفى (محاسن التأويل) للقاسمى: «وهل الوجوه مجاز عن الذوات، أو حقيقة؟ فى معناها تأويلان للسلف، فعن ابن عباس: «سيماهم فى وجوههم» يعنى السمت الحسن.

وقال مجاهد وغير واحد، يعنى الخشوع والتواضع. وقال منصور لمجاهد: ما كنت أراه إلا هذا الأثر فى الوجه، فقال مجاهد، «ربما كان بين عينى من هو أقسى قلباً من فرعون».

إنَّ هذا النوع من التدين الشكلى وصفه الشيخ محمد الغزالى بـ(التدين المغشوش)، وفى لمحة ذكية يقول «الغزالى» فى كتابه (الإسلام والطاقات المعطلة): «ثم إنَّ العمل الصورى لا جدوى منه.. أعرف أناساً يتوضأون وتبقى أجسامهم وسخة لماذا؟ إنَّ الوضوء فى وهمهم لا يعنى غير إمرار الماء على أعضاء معينة، أما أنه وسيلة للنظافة، فلا!، وأعرف أناساً يصلون وتبقى أرواحهم كدرة! لماذا؟ إنَّ الصلاة فى فهمهم لا تعنى أكثر من تحريك الجسم فى أوقات محددة. أما إنها معراج للصفو والنور، فلا».

ولعل الحديث الوارد فى (صحيح مسلم): «إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم».. يقطع الطريق بشكل نهائى على من يظنون أن للدين شكلاً خاصاً وللتدين مظهراً محدداً.

ويبدو أنَّ الظاهرة كانت مرصودة منذ القدم، وتنبه لها الأولون ونددوا بها، وكان فى مقدمة هؤلاء أبوالعلاء المعرى الذى شنَّ هجوماً عنيفاً على كل صور المتاجرة والخداع باسم الدين:

دعوا، وما فيهم زاك، ولا أحد

يخشى الإله، فكانوا أكلبا نبحا

وليس عندهم دين ولا نسك،

فلا تغرك أيد تحمل السبحا

وكم شيوخ غدوا، بيضا مفارقهم،

يسبحون، وباتوا فى الخنا سبحا

لو تعقل الأرض ودت أنها صفرت

منهم، فلم ير فيها ناظر شبحا

وقال، أيضاً، فى المتاجرين بالدين وفى الأغبياء من المتدينين الذين غابت عقولهم:

وقد فتشت عن أصحاب دين

لهم نسك وليس لهم رياء

فألفيت البهائم لا عقول

تقيم لها الدليل ولا ضياء

وإخوان الفطانة فى اختيال

كأنهم لقوم أنبياء

فأما هؤلاء فأهل مكر

وأما الأولون فأغبياء

اللهمَّ لا تجعلنا من أولئك، ولا من هؤلاء.