http://elyomnew.com/ReadersNews/Details/163?n=التواطؤ_الأمريكي_الإيراني.._ومقتل_قاسم_سليماني

اليوم الجديد

الجمعة 18 سبتمبر 2020 - 20:12
رئيس مجلس الإدارة
أحمد التلاوي
رئيس التحرير
إبراهيم موسى
التواطؤ الأمريكي الإيراني.. ومقتل قاسم سليماني

التواطؤ الأمريكي الإيراني.. ومقتل قاسم سليماني


ربما يظن البعض أن مشهد اغتيال قاسم سليماني مسئول الحرس الثوري الإيراني، هو مشهد القمة الذي سوف يعقبه حالة صراع وحرب طاحنة بين الامريكي والايراني؛ أو أن هذا المشهد قد حدث فجأة وبدون مقدمات؛ فهل فعلًا كانت مفاجأة ؟

الاجابة عن هذا السؤال تستدعي منا أن نعود إلى الخلف زمنيًا لنراجع طبيعة العلاقة بين الايراني والامريكي في المنطقة؛ حيث كان مشهد اقتحام السفارة الامريكية في طهران واحتجاز الرهائن بمثابة بداية لعبة عض الأصابع التي يتبادلها الطرفان؛ وبعدها مباشرة حدثت حرب الخليج الأولى بين العراق وإيرانوهي الحرب التي انتهت بتحرير (شبه جزيرة الفاو ومنطقة شط العرب المتنازع عليها)، وفي نفس توقيت بداية حرب العراق وإيران، وتورط الاتحاد السوفيتي في أفغانستان.

والغريب والمدهش أن أمريكا كانت ضالعة بشكل مباشر في دعم وتمويل ومساندة العراق بشكل مباشر أحيانًا وبشكل غير مباشر أحيانا أخرى عن طريق دول الخليج، حيث أصبحت إيرانمحصورة بين هاتين البؤرتين.. وكانت لعبة المصالح تحكم تصرفات ومواقف أمريكا، مما جعلها تدعم بالمال والسلاح والإعلام ... إلخ الميليشيات المسلحة في افغانستان فيما كان يعرف بالمجاهدين الأفغان . كما ساعدت القبائل والعرقيات الأفغانية على التسليح والتنازع فيما بينها.. وطوال عقد الثمانينات لعبت أمريكا دورًا هامًا في تأجيج وإشعال الحرب لسنوات بدون مواجهة مباشرة مع إيران؛ مستهدفة إيجاد مبررات دائمة للتواجد بالمنطقة والقرب من مصادر الطاقة ومنافذ التجارة العالمية.. حتى بعد انتهاء حرب الخليج الأولى وتحرك صدام لاحتلال الكويت وما تبعه من تداعيات في المنطقة وانطلاق حرب الخليج الثانية؛ لم تقم بمواجهة أو محاربة إيرانمباشرة، وبعد سقوط الجيش العراقي قامت أمريكا بلعب دور شرطي المنطقة الذي يحمي الخليج من البعبعة الإيراني، وهكذا تم توزيع الأدوار وتقاسمها حتى وصل إلى مرحلة التواطؤ في 2003 عندما تم احتلال العراق؛ اختارت إيران منطقة الجنوب وشط العرب والفاو بكل ثرواتها وموقعها الاستراتيجي المطل على الخليج والمجاور لمنطقة الاهواز.. كل هذه المساحة كانت هي ساحة الحرب مع العراق لمدة ثمان سنوات أصبحت بالكامل تحت سيطرة إيران العسكرية والسياسية، وأيضًا المذهبية.. وفي الشمال سيطرت أمريكا على مناطق الأكراد والموصل وإربيل وحقول النفط الهامة مثل بيجي، وفي الوسط والشرق العراقي كانت بغداد، أو ما يطلق عليه (المنطقة الخضراء)، ورغم لونها الأخضر إلا أنها كانت حمراء بلون الدم بسبب التفجيرات والتظاهرات والاضطرابات والاغتيالات والتناحر الطائفي، ولأنها موقع العاصمة المركزية.

 وبناء عليه اتفقت المصالح الأمريكية الإيرانية في العراق وفي المنطقة، أن يتم التنافس بدون حرب.. حتى أن حرب تموز في لبنان (رغم أهميتها الاستراتيحية) والتي قام فيها حزب الله والمقاومة اللبنانية برد العدوان الصهيوني، وتحرير مناطق الجنوب اللبناني كانت في سياق هذه المناوشات.

وهنا تكمن قدرة كل طرف في اكتساب أكبر قدر من النقاط في الصراع ولكن كيف تم التخلص من قاسم سليماني ؟

إن الشخصيات الحركية والفاعلة أمثال قاسم سليماني لا يتم التخلص منها بالصدفة أو حسب الهوى؛ حيث إن هؤلاء يملكون الكثير من مفاتيح اللعبة، وخاصة أنه يسهم في تطورات كثير من أزمات المنطقة سواء في العراق وسوريا ولبنان واليمن والسعودية والبحرين وتركيا وغزة .. نعم كانت هذه مناطق نفوذ الحرس الثوري، التي أعلنها في وقت سابق المرشد العام للثورة الإيرانية، وقال إن إيران تسيطر على أربعة عواصم وعدد من مناطق النفوذ؛ وبالتالي كانت أهمية الدور الذي يلعبه قاسم سليماني والحرس الثوري الإيراني في السنوات الأخيرة؛ لكن على التوازي من هذه التحركات كانت إيران تدير الملف النووي مع دول أوروبا والأمريكان.

وساهم ظهور داعش في العراق وسوريا في تسخين الملف النووي وتطور وتيرة المحادثات فيه؛ حيث كانت إيران موجودة فعليًا في العراق كما أسلفنا وأيضًا تواجدت في سوريا منذ 2013 للمشاركة في محاربة العصابات والميليشيا الإرهابية في سوريا إلى جانب الجيش العربي السوري، واستمر ذلك بشكل واسع حتى نهاية 2015، التي شهدت التدخل الروسي في سوريا ونزول قوات روسية على الأرض ووصول قطع بحرية روسية إلى البحر المتوسط قبالة السواحل السورية وإنشاء قاعدة احميميم ، مما كان له تأثيرًا على تراجع مساحة الدور الإيراني في سوريا، وزيادة مساحة الدور المصري، الذي تمثل في التنسيق الأمني والمعلوماتي في إطار دعم سوريا لمحاربة العصابات الإرهابية باعتبارها تشكل خطرًا على الأمن القومي المصري ، أما الدور الروسي الذي تمثل في التواجد العسكري للمشاركة في قتال داعش والميليشيا؛ مما دفع أمريكا إلى إعلان التخالف الدولي لمحاربة داعش مع عدد من الدول الأوروبية والعربية؛ وبدأ التحالف في استخدام الطيران والطلعات الجوية اليومية فوق الأجواء العراقية، التي شهدت خيانة وهزيمة بشعة للجيش العراقي في سبانكر ودخول الحشد الشعبي على خط المواجهة رسميًا لمحاربة داعش، أما الأجواء السورية، فقد كانت مغلقة، وتم تحجيم الطيران السوري لسنوات منذ 2011، حتى دخول القوات الروسية ومشاركتها وهنا نذكر حادث اسقاط الطائرة الروسية وقتل السفير الروسي في تركيا، كل ما سبق جعل كل هؤلاء جميعًا يعلنون غرفة عمليات مشتركة للتنسيق فيما بينهم ( أمريكا - روسيا - تركيا - إيران) واستمر هذا التنسيق لسنوات ورغم إعلان أمريكا القضاء على داعش، إلا أن القوات الأمريكية ما تزال موجودة في العراق والقواعد العسكرية وأيضًا التواجد الروسي والإيراني؛ ولكن خطوة إنجاز محادثات الملف النووي الإيراني ثم رفض ترامب لنتائج المفاوضات بسبب عدم حصول الأمريكي على جزء من تقسيم الكعكة، حيث حصلت الشركات الأوروبية على توكيلات حصرية في إيران في كل المجالات من الطعام حتى شركات السيارات وشركات الطيران والبترول والغاز..إلخ؛ وبدأ ترامب بقلب الطاولة على الجميع ويطالب بإعادة توزيع أوراق اللعب من جديد.

 ومن هنا شاهدنا جولة جديدة من المناوشات وعض الأصابع بين الأمريكي والإيراني؛ كان أولها تعطيل ملف إعادة إعمار العراق ثم محاولات انفصال إقليم كردستان وعدم استقرار الأوضاع الاجتماعية والسياسية في العراق، وتغيير رئيس الحكومة أكثر من مرة.

وتدخل إيران في أزمة مقاطعة قطر من دول الخليج العربي ومصر، واستمرار الفراغ الرئاسي والوزاري في لبنان لسنوات وحماية أمريكا للاحتلال التركي للشمال السوري وحماية فلول داعش في إدلب.. كل هذه الخريطة المتشابكة والمناوشات المستمرة والتحرشات السياسية والعسكرية كانت هي خلفية استهداف قاسم سليماني، حيث أنك في الشطرنج أحيانا تتعمد محاصرة الوزير وإقصائه خارج رقعة اللعب، لتصنع حالة ارتباك واختلال موازين لدى خصمك.

وبالتأكيد تحسب تمامًا كل ردود فعل الطرف الآخر. وربما تثبت الأيام القادمة أن هناك اتفاق إدارات وإرادات على التخلص من قاسم سليماني، الذي أدار مرحلة سابقة.. ورأى البعض أن المرحلة القادمة تستلزم ظهور رجال جدد ومختلفين لأن القادم مختلف.