إبراهيم عيسى

خرجت من لجنة الامتحان بعدما هتكت أعراضنا قبل أعصابنا؛ فأستاذ المادة قد أقسم أنه سيخرج علينا عقده النفسية من أيام أن كان طالبا مثلنا حتى يربينا ويهذبنا، فقد فجرنا وأصبحنا لا نحترم أساتذتنا على حد قوله.. وفعل الرجل بنا الأفاعيل، وكل شيء بالقوانين واللوائح، بما يجعل الصب في مصلحة الطالب على أشده،...
لم أكن محظوظا أبدا حينما استقللت مع صديقين لي سيارة أجرة تقلنا إلى بلدة قريبة من قريتنا، في ليلة من ليالي الشتاء وبساعة متأخرة دانية حتى منتصف الليل.. ابتدأ الأمر بأننا لم نجد سيارات أجرة في موقف الأجرة المعهود لنا، فخرجنا إلى الطريق السريع حتى نستطيع أن نجد سائقا بسيارته يرق لحالنا ويحملنا معه...
كان من المقرر علينا ونحن في الصف الثاني الثانوي دراسة "العروض والقافية".. وعلم العروض من العلوم ليس بها اجتهاد ولا زيادة أو نقصان؛ إذ لا بد من أخذها كما هي مع تقبيل الكفين ظهرا لبطن وصلاة ركعتي شكر، فحينما اخترع "الخليل بن أحمد" العروض سلمه لمن بعده كاملا غير منقوص "سوبر لوكس ع المفتاح"، حتى أن "...
لم يكن الوضع مريحا حينما حلت علينا امتحانات الثانوية الأزهرية في عامنا الذي ودعناها فيه؛ حيث الناس في غليان ثائر لغياب الأمن ونقص المحروقات وندرة الكهرباء، وكان الحال كما صوره لنا الإعلام على شفا جرف هار، وكان المراقبون المعهود لهم أمر مراقبة امتحاناتنا من أماكن بعيدة كعرف متبع في الأزهر من قديم؛...
حادت الشمس ناحية المغرب مستأذنة للمغيب بعدما نثرت شعاعها ولهيبها على كل ناحية، غير آبهة لنباتات لم تتم بنائها الضوئي ولا لطيور لم تركن إلى أعشاشها ولا لحيوانات ما زالت تكدح في الحقول ولا لأنفس بشرية تشرع في إنهاء أعمالها قبل جنون الليل.. ذهبتْ ولم يبق من آثارها إلا ضوء شحيح يزداد شحه ثانية بعد أخرى...
قالت له أن أمها قد حذرتها من مجرد النظرة إليه، فضلا عن حديث عابر في درس خصوصي أو استعارة لكتاب منه قد ملأ هو صفحاته بعبارات الحب والعشق لأنه كان يعلم علم اليقين أنها ستستعيره منه، فكتب كل كلمات الأغنيات التي يحفظها على جنبات صفحات الكتاب!.. قد سدت الأم منافذ حياة روحه عليه، فأوشكت روحه على الاختناق...
شاهدت بينما كنت في الصف الاول الثانوي "فيلم البيضة والحجر"، ولذلك الفيلم مكانة عظيمة لدي لم تكن إلا لعبقرية في كل جانب به، مع طرقه على حديد الموروثات وإعلانه أن الدنيا في مصر لا تسير إلا بـ"الهجايص"!.. يستطيع "أحمد زكي" أن ينقلك بين ساحات الدجل المتشح بوشاح العلم والشهادات الجامعية المعتمدة من...
اجتياز البدايات أمر من السهل جدا أن يحدث بكل يسر؛ فالبدايات دائما تكون لذيذة وشيقة، معطية للبادئ مظنة السهولة في كل شيء، حتى إذا ما أخذته لن تفلته!.. عندها يكون الأمر صعبا جدا، وربما أشفق المرء على نفسه فبكى، من شدة ما تخلفه البدايات من أهوال تشيب لها رؤس الولدان!. لم أفهم تلك النكتة إلا متأخرا...
أذهب إلى كليتي في غالب أيام الأسبوع؛ محاولا الاستفادة من المحاضرات التي يلقيها الأساتذة والمدرسون بشق الأنفس علينا كأنما يقتطعون من لحمهم وشحمهم قطعا!.. تعسكر أمام باب الكلية امرأة متسولة عذبة البيان وجيدة الاستجداء، فما أن ترى هي أي طالب منا قادما من حيث يمتد بصرها _وإن بصرها ليمتد إلى ما لا...
لم أكن يوما مشجعا أصيلا لكرة القدم أو غير أصيل، وكان السبب بسيطا جدا وغير منطقي، فأنا لم أستطع حتى حين أن أفرق بين لاعبي "المنتخب الوطني" وبين لاعبي "النادي الأهلي" بالتحديد؛ إذ كانت كل التفرقة عندي أن لاعبي المنتخب الوطني يرتدون الستر الحمراء وأن لاعبي النادي الأهلي يرتدون نفس الستر!.. بقيت على...
المواقف المحرجة في حياة الإنسان لا تعد ولا تحصى، ولكنها في النهاية أصيلة في الفكاهة التي تفجر الضحك في القلوب الذي لا يطمئن له المصريون، ما يجعلهم يضعون أيديهم على صدورهم مستكثرين على أنفسهم ضحكة من قلوبهم خرجت بعفوية داعين دائما: "خير اللهم اجعله خير"، وكأن الضحك معصية وجب أن يستغفروا الله منها!...
كانت تستهويني صحبة مدرسي الثانوية أيام كنت طالبا؛ فإنهم مكسب مؤكد بما لهم من سطوة وكلمة مسموعة وعلم، وكان شأني عند بعضهم عظيما كما كان عند بعضهم وضيعا، وغدا ذلك شيئا يوفر علي الكثير من الجهد الذي يبذله غيري، فأنا لست مثلهم؛ فلا مذاكرة ولا تطبيقات ولا أعباء تضج منها العقول!... انتخبت رئيس نشاط...
كانت الساعة تقترب من العاشرة والنصف صباحا حينما قيل لنا أن التلفزيون سيأتي حتى يصور فيلما تسجيليا عن الأزهر وطلابه، وأنه قد وقع الاختيار على معهدنا، وأن المخرج قد قرر كون أحداث الفيلم كاملة بفصلنا!. كنا طلابا أغرارا في الصف الأول الثانوي، وقد أذهلتنا قضية التلفزيون وكاميراته وفنيو الإضاءة وحاملو...