كان عليّ أن أموت صغيرًا

كان عليّ أن أموت صغيرًا

 

دائما ما اسأل نفسي لماذا تنضج الأفكار في مخيلتي بمجرد أن أضع رأسي أستعداداً للنوم كل ليلة؟

كانت الليلة هادئة كعادة ليالي الشتاء استيقظت على صوت هاجس يتمتم في عقلي لأجد نفسي أفتح عيني بكل سهولة، كنت أظن أني نائم في سُبات منذ زمن بعيد لأنظر إلى ساعة هاتفي وأجدها الرابعة ونص صباحًا، تركت الهاتف من يدي وبدأت أحدق في مروحة السقف التي تتطاير فوقي صيفًا وشتًا -تلك العادة القديمة التي تلزمني كي تساعدني على النوم-.

كنت قد اوشكت على عامي الثلاثين، إنتظرت أن يأتي أحدًا من الغرفة المجاورة يسألني لماذا أنت مستيقظً في هذا الوقت؟

وتذكرت أني أعيش وحدي بعد أن قررت الإنفصال عن عائلتي بعد صراع طويلًا مع أمي التي كانت تعارض بشدة هذا القرار قائلة «أنت يابني هتفضل كده عايش لوحدك والعمر هيعدي من غير متتجوز..عايزه أشوف ولادك قبل م أموت متوجعش قلبي عليك».

لم أعد أتحمل البديات كما كنت في السابق، ربما لأن المقدمات تأتي دائما بنفس النتائج في نهاية الأمر.

لم أعد أهتم بالكلمات كما كانت تحمل سابقًا مكان مقدس بالنسبة لي، ربما لأنها أصبحت مجدر إعادة لأفكار تم تدولها بصياغات مختلفة لمعنى واحد.

لم أعد أشعر بنشوة الأحلام وسكرة الأحساس بتحقيقها، ربما لإنها بقيت أحلام لم تندرج تحت بند الحقيقة.

لم أعد أشتاق إلى الماضي، ربما لإنه يشعرني بعجزي في الحاضر والمستقبل.

لم يعد يروق لي كلام الشعر والأغاني، ربما لأنني افتقدت إحساس المعاني الخالدة.

لم أعد أستمع للسخافات والكلام المُعاد، ربما للأنني أصبحت أردد السخافات ودائما ما أتقمص دور الناقد حتى لا ينتقدني أحد منهم.

لم أعد أستمتع بالقصص والحكايات، ربما للأنني أفتقدت شعور الشغف إتجاه المعرفة.

لم أعد أبحث عن التجربة الجديدة، ربما لأنها أصبحت تستنفذ ما تبقى من طاقة لي.

لم أعد مُعتاد على عادات كنت أفعلها، أشتاق، أبحث، أستمتع وتروق لي عند فعلها كما كنت في السابق، ربما لأني لم أكن الشخص الذي أعرفه سابقًا.

وعلى الرغم من هذا إلا إني مازلت أركض وراء الأحلام، أعوام تمر وأنا كما أنا أركض وراء أحلام لم تتحقق بعد، لم أتخيل أني سأبقى هكذا مشردًا حينما حلمت أني في يوم ما سأصل لما أريده -يالله- اتسأل متى سأكون ما ظننت أنه مكتوبًا لي عندك، يا الله اسألك كما سألك إبراهيم عليه السلام، لكي يطمئن قلبي.

وعلى الرغم من محاولاتي البائسة دائما في الوصول إلى حل، إلا إنني لازلت أحاول عسي أجد شئ.

مازلت أركض وراء هذا الشئ المحزون بداخلي، يكبر معي كلما كبرت ولا أعلم من أين يستطيع أن ينمو برغم محاولاتي معه الدائمة بقتله، كلما هربت أجده ورائي حتى إختلط علي الأمر لا أعرف إذا كنت أتتبعه آم هو الذي يلاحقني، كل هذا وذاك وأنا مازلت هنا منذ أن ظننت أني قادر على تحقيق ما أتمنى، لكن مشردًا تائه على الرغم من معرفة إتجاهي جيدًا.

أتذكر صديق لي حدثني يوم قائلًا 《لابد أن هناك ضوء في نهاية الطريق عليك أن تصبر حتى تراه》، لا أعلم أين صديقي الآن إلا أني سمعت يومًا أنه قد إنتحر، ربما لأنه دائما كان يكذب ويصدق أشياء لن نجدها في مُجتمع يُحط فيه الظلمات.. أو ربما من شدة الضوء لم يستطيع رؤية الأشياء من حوله جيدًا، فكره الحياة.

أعلم أننا في حاجة إلى الظلام بعض الوقت إلى أن نجد الضوء فنعرف كيف نتعامل معه.

أيقنت أن كل هذا هراء كل ما نفعله من أفعال وكلام وعادات ما هو إلا لقتل الوقت قد أوشكت على عامي الثلاثين ولم أحقق شئ مما حلمت به يومًا، وصلت إلى منتصف العمر ولازلت منتظر تلك الفرصة التي ستقلب حياتي رأسًا على عقب.

أيقنت أننا بلا هدف بلا مستقبل بلا حياة ما نحن إلا آناس بفعل الوقت منذ أن نولد وإلى أن نموت نظن أننا نصارع الحياة متناسين أنه قد كتب القدر ما علينا فعله قبل ملايين السنين.

وتذكرت.. تذكرت كل شئ وكأني أُعيد شريط حياتي كمتفرج يشاهد فيلم من بطلتهِ للمرة الثانية ولأنه يعلم ما سيشاهده  كان يعرف ما هي الأحداث التي ستتولى فتركها وانشغل في المتابعة والبحث عن التفاصيل التي لم يستطيع غيره أن يراها. وبدأ العرض.

قبل ثلاثون عامًا، أتاح لي القدر أن آتَي إلى الدنيا بعد صراعٍ دام سبعة أشهر داخل أَحْشَاء أمي، كنت متلهفًا على الحياة والخروج إليها قبل موعدي. ولم يحتمل أخي التوءم صراعي واستعجال النزوح إلى دنيانا فمات بعد أسبوع من ولاَدتنَا، ربما لأنه كان أكثر بصيرة مني وعَلِم أن الحياة ليست كما كنا نتخيلها معًا داخل رحم أمي، وربما لأني سَبَقَته ببضع دقائق بفعل حماقتي وشغفي بالدنيا، فغضب وقرر أن يرحل ويترَكني وحيدًا أوجه حقيقة ما قد عرّفهُ فور نزوله إلى الحياة.

كنت أحمق حين ظننت أني أستطيع تحمل وجع الفقد وحمل الاِزدِواجيَّة وحدي من دونَه، كنت أحمق عندما تخيلت أن الحياة ستسعني أنا وأخي أكثر من رحم أمي الذي اتسع لنا سبعة شهور دون أن تغضب أو تتذمر.

كان عليّ أن أموت صغيرًا قبل أن أعرف اليأس والكذب، الخوف وألم الفقد، قبل أن أعرف الحب وخيبة الأمل، قبل امرأة أحببتها وتَرَكتني وحيدًا كما فعل أخي من قبل.
 
كان عليّ أن أموت صغيرًا قبل ستة وعشرين عامًا بدل أخي أو ربما معه.

عندما كنت صغير كنت أحلم وتراودني الكثير من الإسئلة، لكني كنت أخاف أن أبوح بها، فكنت دائم الصامت أنصت لما يقوله الجميع من حولي، ومع الوقت وكلما مرت السنوات ويكبرُ عمري أدركت أنهم لم يفكروا أو يحلموا مثلي، أيقنت أني مختلف وربما متميز عنهم، وبدأت في طرح أسئلتي واحدة تلو الآخرة.

ومع كل سؤالاً كنت أطرحه أراقب وأُشاهد نظراتهم وتعبيرات وجوهم ودهشتهم وربما جهلهم، فهؤلاء ليس كما ظننت عندما كنت أخاف أن أبوح بكلامي وأفكاري عليهم من قبل، إنهم مجرد أناس عاديون طبيعيون مغفلون، يظنون أن حماقتهم هذه سوف تنقذهم من عثرات الحياة، ما هي الحياة التي يعانون أو يضحكون على أنفسهم من أجلها؟ هل خلقنا لنشقي ونتعب بها؟ هل نخلق لنُجن ونلهُث وراء كل هذا الهراء؟

لا أعتقد فيما تعتقدون أو تفكرون، لقد صمت سنوات كثيرة كنت أخاف فيها وكنت أبحث فيكم عن شئ لم أجده وأيقنت أنه ليس موجود بكم.

لقد أن الآون أن أنطق وأتحدث وعليكم أن تسمعوا -ليس فقط- ولكن عليكم أن تؤمنوا بما أقوله وبما سأفعله وسترون.

التعليقات