تفاصيل حزينة في صورة نصر أكتوبر

تفاصيل حزينة في صورة نصر أكتوبر

 

 

يغرس محمد أبوسويلم أظافره في تراب الأرض. يأبي أن يتركها وهو يُسحل عليها حتى الموت. لا تفقد اليد المعروقة حفنة التراب المختلطة بالعرق والدموع والدم. يتصاعد غناء كأنه تاريخ طويل من أنين الصدور المكلومة( الأرض لو عطشانة نرويها بدمانا.. عهد وعلينا أمانة، تصبح بالخير مليانة... يا أرض الجدود، يا سبب الوجود... هنوفي العهود، بروحنا نجود.. وعمرك ما تباتي عطشانة).. اللوحة الأخيرة من فيلم الأرض إنتاج عام 1969.

تمر ذكرى السادس من أكتوبرمن كل عام لتذكرنا ليس فقط بصورة العلم المصري المرفوع على خط بارليف في الضفة الشرقية لقناة السويس. بل لصورة أكثر اتساعا مليئة بالتفاصيل. رغم إن ذلك الجزء الصغير من الصورة هو الذي نتوق إلى تَذكره دائما، وكنا نتمنى أن يكون هو كل الصورة. ولكن الأفضل ألا ننسى باقي التفاصيل حتى وإن كانت حزينة تنتزع  شيئا من حلاوة النصر.

  في حضرة الاحتفال لا ننسى حرب الأيام الستة عام 1967 التي انتصرت فيها إسرائيل بسهولة مخزية للعرب، واستولت على قطاع غزة وشبه جزيرة سيناء من مصر والضفة الغربية من الأردن وهضبة الجولان من سوريا، الانسحاب العسكري المهين من ميادين القتال، وخسارة الأرواح والأرض والكرامة على أعتاب سيناء. والسنوات الستة المؤلمة في انتظارالثأر، الحالة المرهقة من اللا حرب واللا سلم. والشعب الحائر بين أسباب هزيمته. هل هى سياسية أم عسكرية؟.  لا ننسى كل هذا  في حضرة  نصرا مليحا أثلج  شيئا في الصدور، حققه  من حملوا السلاح وعبروا خطوط النار، وأضاعت زهوته السياسة وجعلته نصرا غير مكتمل. ومعاهدة سلام قطعت خط الرجعة على الأحلام القديمة، وأخذ ثأر من استشهدوا في معارك لم نعتدي فيها على أحد، بل كنا نرد العدوان عن أنفسنا ونحفظ كرامتنا وحقوقنا ودمائنا. وسيناء التي أهملناها ونسيناها وكان آخر نصيبها من خططنا هو العمل العسكري في السادس من أكتوبر 1973. ثم تركنها فراغا، يغري العدو بالعودة ويجدد أطماعه، أرضا محاصرة بالأرهاب وعمليات تهريب السلاح والمخدرات، رمالا  لم ترتو بعد من دماء أبنائها. لماذا نحارب من أجل الأرض لتضيع مرة أخرى وهى بين أيدينا؟. نتنازل عن بعضا منها طوعا، نبترها من جسد الوطن ونتنصل منها. كيف نصمت على أسئلة تتراكم بلا إجابات. وإن جاءت الإجابات تربكنا وتجعل الموقف أكثر إبهاما.

(أريد أن أقول لكم بكل أمانة وصراحة وبإحساس بالمسئولية التاريخية؛ أنه مهما كانت محاولاتنا في ميادين السياسة فلا بد ألا تغيب أبدا عن أذهننا كبرى الحقائق - هذا الكلام قولته في 23 نوفمبر سنة 67، وبقوله النهاردة في 23 يوليو سنة 70 . إننا نعمل في السياسة ويجب إلا تغيب عنا الحقيقة الأساسية ويجب أن نعمل على تطبيقها. هذه الحقيقة؛ هى  أن ما أخذ بالقوة لا يمكن أن يسترد  بغير القوة)  جزء من خطاب الرئيس جمال عبد الناصر فى  افتتاح الدورة الرابعة للمؤتمر القومي من جامعة القاهرة  بتاريخ 23 يوليو 1970.

ربما كانت سنوات عبد الناصر الثلاث بعد الهزيمة أفضل سنوات حكمه لمصر كما يقول البعض. عمل فيها على تصحيح  بعض أخطائه وأدرك جيدا الواقع حوله. وأفرج عن بعض معارضيه السياسين. وكان عليه مهمة جسيمة؛ بناء جيش من جديد. وتطوير قواته البرية والجوية والبحرية التي تكبدت خسائر ضخمة في حرب 67. وإحياء ورفع الروح المعنوية المنعدمة لجنوده، الذين تحملوا  النصيب الأكبر من الغضب والسخرية بعد هزيمة. ولم يكن كل هذا سهلا.

في تلك الظروف كان الشعب الغاضب يقود مظاهرات ضاغطة على السلطة، يريد أن يرى جيشه يحارب من جديد. يرفض أن تترك الأيادي السلاح في انتظار حلول دبلوماسية. فاستأنف الجيش عمله العسكري  في ظل إمكانيات ضعيفة ومجتمع دولي ينتظر من عبد الناصر رفع الراية البيضاء. وسعي  دائم لإسرائيل وتوسيطها الولايات المتحدة الأمريكية  للوصول لحل مع عبد الناصر حول سيناء فقط. فيأبى الزعيم القومي العربي أن يقبل أتفاقا لا يشمل باقي الجبهات العربية. خاض عبد الناصر بجيشه  حرب الاستنزاف التي بدأت في يوليو 1967 بعد الهزيمة  بأيام، ليستنفذ بها طاقة العدو ويرهقه. حربا استمرت ثلاث سنوات حتى وقف إطلاق النار في أغسطس 1970 بعد وفاته.

( أيها الواقفونَ على حافةِ المذبحة

أشهروا الأسلحة!

سقط الموتُ، وانفرطَ القلبُ كالمسبحة

والدم انساب فوق الوشاح!

المنازلُ أضرحة

الزنازنُ أضرحة

والمدى.. أضرحة

فارفعوا الأسلحة

واتبعوني!

أنا ندمُ الغدِ والبارحة

رايتي عظمتان. وجمجمة،

وشعاري: الصباح!). جزء من قصيدة الكعكة الحجرية لأمل دنقل.

عندما رحل عبد الناصر في 28 سبتمر عام 1970، وتولى نائبه السادات الحكم، رفع شعار الحرية والديمقراطية ، هدم السجون وألغى المعتقلات. أراد أن يصوربداية حكمه مرحلة جديدة غير مرحلة ناصر. وعد أن يكون عام 1971عام الحسم مع إسرائيل. فخرج على شعبه بخطاب في 13 يناير 1972 يبررعدم وفائه بالوعد لاندلاع الحرب الهندية الباكستانية. وأن السوفيت كانت تشغله تلك الحرب ولا يستطيع مساعدة مصر. أنتفض طلبة الجامعات بعد خطاب السادات، دائما هم المحرض الأساسي للأحتجاجات الشعبية. رفضوا خطابه ومبرراته الضعيفة التي تسوقها السلطة لعدم خوض الحرب. فضحوا شعار الديمقراطية الزائف الذي رفعه من أجل التخلص من خصوم السياسة. قامت الحركة الطلابية بعقد المؤتمرات والاعتصامات داخل الحرم الجامعي لجامعة القاهرة وعين شمس في 15 يناير 1972؛ تنتظر ردا على تسأولاتها حول الوضع المأزوم وترفض كل مبادرات التهدئة بين طرفي المعركة، في ظل استهانة السلطة  بمطالبهم، ومراوغتهم بين الحين والآخر. وفي 24 يناير اقتحم البوليس جامعة القاهرة وضرب الطلبة بالعصى والقنابل المسيلة للدموع وقبضوا على أعداد كبيرة منهم. فانطلقت مسيرات الطلبة الغاضبين من خداع السلطة إلى ميدان التحرير في أحضان ناس الشوارع تدافع عنهم  وتنضم إليهم وتشعل الحماس المنطفئ بحماسهم. عقدوا مؤتمرا تحت قاعدة التمثال الحجرية الفارغة التي كانت هناك وشهدت مناقشات وقرارات النضال وغناءه الشجي. يأبي يناير أن يمضي  دائما دون أن تحمل لنا نسماته العطرة بذكريات هولاء، وأمثالهم الذين خرجوا في عام 1977، انتفاضة الخبز في أيام 18 و19منه. والمظاهرات الشعبية في 25  يناير 2011، التي خلعت حسني مبارك بعد 18يوما من اندلاعها.

(كلمة اعبر دي يااااه مش معقول، مش مصدق كان الواحد عايز يسبق نفسه، تبصي بقى تلاقي الواحد إيه - الكل يسبق المعدة بتاعته... أما عديت ووقفت على الساتر الناحية التانية كلبشت فيه بقى، قولت لو مت هنا ميهمنيش المهم أني أنا جيت الأرض... كان الشهيد من دول يستشهد لكن روحه ترجع تاني، ترجع معنا علشان ناخد بتارها.. جه دبابتين من العدو، كان لازم أقوم بعملية انتحارية علشان أدمر الدبابتين،  دمرت دبابة، أتصبت، ما زالت الدبابة التانية موجودة في مخي لحد الآن، مش هتروح من ذهني أبدا لحد ما أموت الدبابة الثانية).  أجزاء من تسجيلات مع بعض الجنود  في فيلم جيوش الشمس لشادي عبد السلام الذى يحتوي على مشاهد حقيقية لحرب 73.

(بسم الله... الله أكبر بسم الله بسم الله..بسم الله... أذن وكبر بسم الله بسم الله..سينا يا سينا بسم الله بسم الله..أدينا عدينا بسم الله بسم الله..ما قدروا علينا بسم الله بسم الله..جنود أعدينا بسم الله بسم الله)

من أجل هؤلاء فقط نغني ونحتفل. الجيل الذى وزع عمره على الأزمات والحروب.

الذين عبروا قناة السويس ومعهم أمال وأحلام الشعب الجريح في زوارقهم المطاطية وفوق الدبابات إلى ساحة القتال. وصف وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه دايان الجيوش العربية وأسلحتها بأنها سفن صدئة في مرفأ تغرق شيئاً فشيئاً تحت سطح الماء.  ليتحول بعدها سكون  الضفة الشرقية لقناة السويس بعد ظهيرة عيد الغفران إلى حجيم، فتحته القوات المسلحة المصرية على القوات الأسرائيلية. عالم المستحيلات والأساطير أصبح ممكنا. عبور خط بارليف وتحرير الضفة الشرقية وهزيمة إسرائيل بأقل خسائر. في حين بلغت خسائر إسرائيل آلاف القتلى ومئات الدبابات وعشرات الطائرات. في يوم 7 أكتوبر أصبح للجيش المصري على الضفة الشرقية للقناة خمس فرق مشاة بكامل أسلحتها الثقيلة وحوالي 1000 دبابة. من أجل هؤلاء؛ من صنعوا المعجزات، جنود الحرب وقادتها، الأيادي السمراء التي حملت السلاح وأمانت بنصر قريب من عند الله. من تذكرهم الأغاني على استحياء ولكنهم عاشوا في الوجدان العاطفي لكل المصريين، رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه،  من أجل هولاء فقط نحتفل.

(حاجة عظمة جدا. الأكتر بقى يوم 8 أنا خدت بعضي ورحت الجبهه علشان أشوف بقى على الطبيعة. ما أنا كل حاجة شايفها هنا عايز اشوفها على الطبيعة. بصيت لقيت الروح المعنوية في السماء. الولاد العساكر الصغيرين والضباط بصوا لقوا اللي مكتوبلهم في الورق، لقوه بيحصل بالضبط  فبقوا يشيلوني على الأكتاف ومش عارفين يعملوا إيه ) جزء من حديث للفريق سعد الدين الشاذلي رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية في 73، في حلقة من برنامج سري للغاية بعنوان اليوم السابع.

أراقب وجه الرجل وهو يحكي عن أيام الحرب الأولي التي أدارها،  بفخر وزهو، تتألق عيناه وهو يصف أن يوم التاسع من أكتوبركانت الخطة الموضوعة للحرب نفذت بدقة وأدت ما عليها. ثم تدمع عيناه وتتعكر لحظة استعادة نشوة النصر التي لم تكتمل، وهو يحكي ما وصلت إليه الأمور بعد ذلك من جراء قرارات سياسية مشكوك في دوافعها الحقيقية. قرارات غيرت مجرى الأمور وأثرت على نتائج الحرب.  

(قواتنا العسكريّة تتحدى اليوم قوتهم العسكريّة، وها هم في حرب طويلة ممتدة، وهم أمام استنزاف نستطيع نحن أن نتحمّله بأكثر وأوفر مما يستطيعون).

خطب السادات في مجلس الشعب يوم 16 أكتوبر 1973 محتفلا بالنصر، وهو لا يعلم ما يحدث في الجبهه من تغيرات، معلنا شروطه لوقف إطلاق النار. وخطبت جولدا مائير رئيسة وزراء إسرائيل أمام الكينست في نفس اليوم معلنة أن القوات الإسرائيلية تقاتل غرب قناة السويس.

كان العدو الإسرائيلي قد عبر قناة السويس من الغرب واخترق مواقعنا هناك يوم 15 أكتوبر ليلا، نتيجة قرار سياسي اتخذه السادات بضرورة تطوير الهجوم شرق القناة إلى خط المضايق يوم 14 أكتوبر. نُفذت خطة تطوير الهجوم التي كان قد رفضها الفريق الشاذلي بحسم ومعه قائدي الجيش الثاني والثالث، حين طلب منه أحمد إسماعيل وزير الدفاع  تنفيذ نفس الخطة يوم 12 أكتوبرلتخفيف الضغظ على الجبهه السورية التي فقدت أرضا من بداية يوم 10 أكتوبر. وكان رفض الشاذلي وقادته مبني على أسباب قوية، منها عدم وجود غطاء جوي متحرك  يغطي القوات البرية التي ستقع فريسة سهلة للعدو عند التقدم مع تفوق كبير للقوات الجوية الإسرائيلية. مع أصرار القيادة السياسة تم دفع القوات المخصصة لتطوير الهجوم فجر يوم 14 أكتوبر. وفشل التطوير ظهر نفس اليوم. ضُربت عشرات الدبابات المصرية على أيدي اليهود.  واصبحت القوات الموجودة شرقا أكتر من الموجودة غرب القناة، فاختل توازن الجبهات. وفقد الجيش الثاني الأحتياطي التعبوي. وأصبح هناك الفرصة المهيأة  التي ينتظرها العدو ليخترق.

وصل عدد الدبابات الإسرائيلية الموجودة غرب القناة يوم 17 أكتوبر إلي 300 دبابة تضرب القوات المصرية هناك بشراسة، وحدثت خسائر فادحة. فطرح الشاذلي رؤية لحل الموقف، تتلخص في سحب قوات من شرق القناة إلي غربها للمناورة وعمل توازن بين الجبهتين. فانفعل عليه السادات وهدد بمحاكمته إذا طرح هذه الرؤية مرة أخرى.  فشلت خطة المصريين في السيطرة على الاختراق الإسرائيلي، ونجحت الفرق الإسرائيلة في تطويق الجيشين المصريين الثاني والثالث، واستولت على مدينتي الإسماعلية والسويس. وصلت إسرائيل طاولة المفاوضات في موضع قوة، محققة جميع أهدافها. في  21 أكتوبر استدعى السادات السفير السوفيتي وأخبره أن مصر مستعدة لقبول وقف  إطلاق النار. وكانت المفاوضات نية السادات المتوارية في كل الأحوال.

(بشّروا أبناءكم، أن ما مضى هو آخر الحروب ونهاية الآلام، وأن ما هو قادم هو البداية الجديدة، للحياة الجديدة، حياة الحب والخير والحرية والسلام.....) جزء من خطاب السادات أمام الكنيست الإسرائيلي.

  استعد الموسم السينمائي لعام 1977 بفيلم ميعاد مع سوسو لهوايد، وألف بوسة وبوسة ليسرا ونجوى فؤاد. في حين سقطت نبيلة عبيد في بحر العسل. وكان الشارع المصري والعربي  على موعد مع مفأجاة جديدة فجرها السادات في افتتاح دورة مجلس الشعب في العام ذاته، أعلن الرئيس المصري استعداده للذهاب للقدس ( ستدهش إسرائيل حينما تسمعني الآن أقول أمامكم أنني مستعد أن أذهب إلى بيتهم؛ إلى الكنيست ذاته ومناقشتهم). وتمت الزيارة  في 19 نوفمبر من نفس العام. وألقي خطابه عن السلام أمام الكنيست الإسرائيلي في 20 نوفمبر. وبعدها بعام وقع السادات إتفاقية كامب ديفيد في 17 سبتمبر 1978. وفي 26 مارس 1979 تم توقيع   معاهدة السلام  ﺑﻴﻦ ﺟﻤﻬﻮرﻳﺔ ﻣﺼﺮ اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ودوﻟﺔ إﺳﺮاﺋﻴﻞ!.

وأنا أكتب آخر السطور أتذكرصوت الجندي الذي لا أعرف اسمه  في فيلم جيوش الشمس وهو يقول (ما زالت الدبابة التانية موجودة في مخي لحد الآن، مش هتروح من ذهني أبدا لحد ما أموت الدبابة الثانية....

التعليقات