ما بقي لنا من زمن عبدالناصر

ما بقي لنا من زمن عبدالناصر

 

( 1952، 1956،1967، الثورة، إنتهى عهد الظلم والاستبداد، التأميم، القومية العربية، النكسة)، تواريخ وعبارات ارتبطت بصورة الرجل واسمه في ذاكرة الأجيال التي لم تعاصره. جمال عبد الناصر، الاسم الذي شكل عنوانا لأخطر مراحل الوطن. رآه البعض زعيما حمل على كاهله هموم الفقراء وأحلامهم. والبعض الآخر رآى أنه كان  ديكتاتورا مستبدا. أسس للدولة البوليسية ونكل بمعارضيه. تناقض الآراء حول الرجل أربك جيلنا في تحديد مشاعره تجاهه.  بين أحلام  الثورة  وكابوس النكسة فقدنا البوصلة.

تعودنا ألا نفتح كتب التاريخ ونقرأ. إنها تهمشنا وتمجد كل من جاءته الفرصة ليكون رئيسا وقائدا للقطيع. تصنع منهم أساطيرا. ونحن... جمهور الشارع المنكوب، ملهمي الثورات ووقودها وضحايها. الذين يدفعون القسط الوافر من فواتير الهزائم. تتعامل معنا الكتب ككومبارس صامت أو في أحسن الأحوال كورال يردد ما يقوله المطرب الرئيسي للفرقة بحماس. ربما أيضا عراكيل في طريق رفعة الوطن أو أتب على ظهور الزعماء. قرأنا التاريخ  على وجوه البشر وفي أحوالهم المتعثرة التي تفضح الحقائق والمصائر.

( إحنا بنتكلم ثورة وبنكتب ثورة لكن مابنعملش ثورة)، جملة على لسان الصحفي  يوسف فتح الباب أحد شخصيات فيلم العصفور ليوسف شاهين.

لماذا نصنع الثورات ثم ننكرها كالمطارد بخبيئة، إذا كنا مؤمنين بها حقا. نخاف أن تُنقش الكلمة في عقول الأجيال كأنها لعنة. وإذا كانت نتائج الثورات تناقض مبادئها، وإذا كان كل ما جنى الوطن من حلم جيل عبد الناصر، هزيمة مرة تخطت ظلالها فرحة النصر. وقفزت لتسكن في ذاكرة الأجيال المتعاقبة تعتلي قمة الخيبات والهزائم، الذنب ذنب من؟. القائمين على السلطة وذعرهم من فكرة التغير, السياسة التي تسحب الطريق من تحت أقدام الثورة، فتصبح أولويات السياسية أحلاما بديلة. كفة مصالح بعض الفئات الراجحة دائما في ميزان الحكومات، النخب التي تذوب في الفكرة الواحدة، تخدرت بها وخدرت الشعب. أم الناس ملح الأرض وأحلامهم التي تظل دائما في قاعة انتظار لا تغادرها أبدا.

(صناعة ثقيلة هتكون في المشروع الجديد لها دورأساسي، التوسع الزراعي ماشي، الثورة الزراعية ماشية، التجميع الزراعي يطبق، ماية السد العالي نستفيد بيها، فرص العمل موجودة لكل الناس، دا الكلام اللي حصل في السبع سنين اللي فاتت، في السبع سنين الجاية أو العشر سنين الجاية.........) بترت فجأة  كلمات عبد الناصر المسجلة على شريط كاسيت رمادي اللون بيد مونتير خشنة فجاء صوت أمي وباقي أخوالي، يبعثون تحيات وسلامات للأخ الفلاح الذي سافر في نهاية السبعينات  ليعمل في عراق  البترول فترة ليتزوج ويستقر. الشريط تحتفظ به أمي في خزانتها. إرث الجدود للأحفاد. تتردد كحة جدي المتحشرجة بين كلمات الرجل  وتصفيق الجماهير الملتهب. هذا جيل هزمته الخطب الرنانة.

 

 

( إذا كنا النهاردة بنشرب شاي 7 أيام، نشرب 5 أيام لغاية ما نبني بلادنا. أذا كنا بنشرب قهوة 7 أيام، نشرب 4 أيام. إذا كنا بنأكل لحمة 4 أيام،  نأكل 3 أيام. اللي أنا بدي أقوله إن طبعا مناسبة هذا الكلام...في الوقت اللي بيقولوا إن عندنا أزمة تموين وعندنا كذا وعندنا كذا..إن دل على شيء فيدل على إنه طريقة من طرق الضغط. إحنا متأسفين. إحنا مبنقبلش الضغط. ومبنقبلش الكلام السخيف. ومنقبلش الرازلة أبدا.وإحنا ناس خلقنا ضيق. خلقتنا كدا وطبعنا كدا. تصفيق..ناصر ناصر ناصر). جزء من خطاب لجمال عبد الناصر متحدثا فيه عن الاستغناء عن المعونة الأمريكية.

نحن دائما خطة الحاكم البديلة لمواجهة أي  ظروف صعبة. وما أكثرها، وأحوج الحاكم إلينا في شدته. نحن دائما نقوم بتشييد مبنى لن نتسلم مفاتيحه أبدا. نربط على بطوننا في حين تنتفخ بطون الآخرين بما نوفره. الصبر مفتاح الفرج. حكمة نورثها لأبنائنا. تطورت الخطة البديلة التي امتلأت بكلمات عاطفية غازلت المواطن ليضحي راضيا مع السنوات لكلمات تقريع وتوبيخ وتهديد للمواطن الذي يريد أن يعيش دوما بلطجة على قفا الوطن في محنته. أو ربما حملات تبرع لنكفل بعضنا في المرض والتعليم وإدخال مرافق للقرى. نتكاتف حتى نعبر أزمات لا تنتهي.

(صورة صورة صورة، كلنا كدا عايزين صورة. صورة للشعب الفرحان تحت الراية المنصورة). جزء من أغنية كتبها صلاح جاهين ولحنها كمال الطويل وغناها عبد الحليم حافظ في أعياد الثورة عام 1966.

لهذه الدرجة كانت تفاصيل الصورة غائمة في عدسة المصور الذي التقطها على بُعد عام من الهزيمة. أم هى صناعة الوهم الرائجة في هذه الفترة. المناخ التعبوي الذي استدعى المثقفين والفنانين المؤثرين في الرأى العام، ليصدروا أوهاما كأنها واقع. عشنا في الأغاني مجتمع العدالة والحرية والديمقراطية. في الأغاني فقط تقول الإشارات أننا كنا نمشي في الإتجاه الصحيح (ناصر وإحنا كلنا حواليه ناصر ناصر وعيون الدنيا عليه ناصر والنصر! بيسعى إليه). والواقع الملموس قال إننا كنا نمشي في الإتجاه المعاكس حيث الهزيمة. لماذا كان يجب  أن نغني للحاكم. نخلط حب الوطن بحبه. الكلمات المشحونة بالعاطفة، المغيبة لعقل المتلقي فلا يملك إلا أن يتأثر ويصطف مع القطيع (إحنا حياتك وابتساماتك وأنت حياتنا، إحنا بنفرح وأنت بتفرح من فرحتنا كل ما نكبر قلبك يكبر بمحبتنا وإحنا إخترناك وهنمشي وراك يا فاتح باب الحرية يا ريس يا كبيرالقلب). هذا النوع من الأغاني رغم الصنعة المتقنة ورقى الكلمات والألحان، أرسى قواعد لنوع غريب من الغناء الوطني نعاني منه الآن مع فجاجة الكلمات والألحان وابتذال أكثر للمشاعر.

(أنتم عارفين الواحد بيقابل مين في آخر الرحلة. رحلة حوالين العالم في الفضاء.. مين قولنا يا محمود.. الشيطان.. لأ أقبح.. أقبح من الشيطان.. الواحد بيقابل نفسه). الحوار الأخير من فيلم الاختيار الذي ينتهي بمشهد لبطله الكاتب في عربة مستشفى الأمراض العقلية.

يحيرني مثقفي زمن عبد الناصر بشدة. بداية المأساة. كيف يقبل المثقف أن يكون جزءا من السلطة لهذه الدرجة وينسى دوره الحقيقي في اليسار. يهلل ويصفق لها إيمانا أو رياءا لا يهم.  يُنصب نفسه واصيا على عقول الناس. كيف لصاحب الفكر ورسالة التنوير أن يشوشر ويصادر الأفكار التي تعارض أفكاره. أداة قمع في يد الحاكم. كيف تعايش مع خطيئته وانشطاره داخل ذاته طوال تلك المدة. منهم من انهار على أعتاب الهزيمة بذنوبه. ومنهم من أراح نفسه من مرارة مواجهة الذات بفرضيات المؤامرة والخيانة. لابد أن تكون هناك هزيمة واستلاب للأرض حتى نفيق. وإذا ضاعت الحقوق بين أبناء الوطن فلا أزمة.

(إسقاط 43 طائرة للعدو ) المانشيت الرئيسي  لجريدة المساء بتاريخ 5 يونيو.

النصر الوهمي الذي عاشه المصريون على صفحات الجرائد، ومن خلال محطات الإذاعة التي أذاعت بيانات عسكرية مكذوبة كان منطقيا جدا في إعلام دولة عبد الناصر، الذي تعود ألا ينقل للناس الحقائق أبدا. بل يصنع طبقة عازلة بين الناس والحقيقة. أداة في يد الحاكم يسهل بها عمله. إعلام له حدود يعرفها فيما يقول وما لا ينبغي أن يقول. تحولت بعدها الحدود اللامنطقية في العمل الإعلامي لمنطق مفترض  يتوارثه أجيال الإعلامين.

(لقد قررت أن أتنحى تماماً ونهائياً عن أي منصب رسمي وأي دور سياسي، وأن أعود إلى صفوف الجماهير، أؤدي واجبي معها كأي مواطن آخر).

تنحى عبد الناصر عشية 9 يونيو 1967، فخرجت مظاهرات حاشدة في الشوارع. مظاهرات  بأوامر على رأسها رموز ثقافية وفنية تضمد جراح القائد المهزوم. وحشود هى الأغلبية  خرجت بتلقائية لترفض هزيمة غير عادية في فداحتها وتحاسب المتسببين فيها من أكبر رأس في القائمة الطويلة لنهايتها. دائما هناك نوعان من المظاهرات بمطالب متعارضة.

عندما نحاول كجيل انتقاد ديكتاتورية عبد الناصر واستبداده. نعاير أنه لولا عبد الناصر ما تعلمنا، مجانية التعليم التي لم تمنحنا شيئا، لا استقرار مادي ولا ثقافة. يقارنوا بين شكل المجتمع النظيف المثقف ورموزه وفنونه وبين الانحدار الذي وصلنا اليه الآن. عبد الناصر ومن عاشوا في عهده من رموز تعلموا في عهد الملكية. عفوا لا أمجد الملكية ولا أمقت ثورة 1952. بل أحاول أن أفهم. الأجيال التي تربت وتعلمت في عهد ناصرهي التي رسمت وشكلت وسيطرت علي فكر المجتمع المصري من الثمانيات حتى الآن. يحدثونا عن نظافة يد الرجل وإنجازاته بالأرقام.  ونحدثهم عن هزيمة ليست فقط لنظام عسكري ولكن لنظام سياسي بوليسي اجتماعي فكرى. السلطة التي لم تستطيع أن تسيطر على السوس الذي ينخر في عظام الدولة  ولا تسيطر على أجزائها. وتمنح الثقة في أخطر المواقع لمن لا يستحق، تخلق أسباب الحرب والهزيمة.

التعليقات