بليغ حمدي.. رحلة تاهت فيها روحي وتهت فيه

بليغ حمدي.. رحلة تاهت فيها روحي وتهت فيه

 

 

( الأسمراني الأسمراني بالعيون صابني ورماني.. الأسمراني الأسمراني بالكلام يا ناس غواني، والكلام ميلني يابا قولتله ما تقولي تاني ما على العاشق ملام).

في ذكرى البليغ. كيف أكتب عن حبيبٍ قديم، أنتظرت منه مزيدا من وصال فأوفى. ألحانه رفيقة أذني. صوره تمتلئ بها ذاكرة هاتفي. ملامحه تسكن دفاتر الرسم المكدسة في غرفتي. فارس من فرسان أحلامي واسمه يتصدر القائمة الطويلة التي تضم  تشكيلة غريبة من شخصيات حقيقية وأخرى درامية مثل منير مراد التياترجي وقناوي بائع الجرائد وشمس المصور الفوتوغرافي وصالح سليم لاعب الكرة.

اسمك مكتوب يا حبيبي على القمر العالي هناك.....

الاسم الأول بليغ، اسم رومانسي جدا برغم استحواذ حرف الغين عليه في النطق، كأنك تنطقه وحيدا. والبليغ هو الذي تفصح ألحانه عن ما يكنه في قلبه من جمال وشغف واحتفاء بالحياة، فتحاكي ما في خيال الآخرين وأذهانهم، ولكن للإيضاح لابد أن يتبع بحمدي. والاسم الثاني حمدي لا أعرفه إلا إذا سبقه بليغ. البداية كانت الاستماع لمقدمة لحن حاول تفتكرني في الراديو، إحياءا لذكرى عندلبية. خضت بعدها معركة لكي أتمالك نفسي وأركز قليلا مع الغناء، وشت  مقدمة بليغ بمضمون الأغنية تماما. من الممكن أن تصنع مقدمة جميلة لأغنية وتكون منسجمة مع باقي اللحن. ولكن أن تصنعها من الحنين القاتل للذكريات هكذا، ليأكد بعدها حليم إحساسك  بجملة ( إبقى افتكرني.. حاول حاول تفتكرني).

يا طير مسافر يا قلبي ياطير مسافر عطشان وبحر الشوق عذاب مالوهش أخر.

البعض يبحث ويفتش في حياة بليغ حمدي الدرامية البوهيمية، عن أسرار قضية سميرة مليان التي عاش سنواته الأخيرة في الغربة موصوما بها، مطارد قضائيا، عن صوره الكثيرة مع وردة وقصة الحب المستقرة المفعمة بالتفاهم والمودة أمام الكاميرات والمتوترة دائما خلفها، عن الفنان الذي عاش كما يريد، غير مضطر للكذب والإدعاء. ينهل من ملذات الحياة فيبتهج ويبهجنا، متعدد العلاقات النسائية فخرجت قصصها علينا ألحانا تؤنس وحدة القلوب الخالية. عاش سنوات لقلبه وفنه ساهرا لا ينام  كما يغني صوته الشاب في بداياته( ليه هتفكر ولا تبوز ولا تذوم وتشوف أحلام تعملها هموم قوم فرفش قوم الحظ يدوم غني وقول ساعة لقلبك..)  وحين نام خانته ساعة الحظ تلك.

أشْرَقت شمس الأماني ... أغرقتني بافْتِتـــــــــاني ... أطْلقت أسر لســاني... انطقتنـــــي بالأغاني .. أشرقت ...

وأنا لا أبحث عن أسرار حياة الرجل بل عن أسرار جعلتني دائمة الوصال بروحه الذكية، عن أسرار ألحانه، عن ذلك الانبهار الذي يعتريني حين أدير مؤشر محطة الأغاني فيفاجئني صوت شادية بعد الكورال، كأني أسمعه لأول مرة. تعيد ما يقوله بطريقة أخرى( آه يا أسمراني اللون حبيبي يا أسمراني). تخرج أهة شادية من أعمق مكان في القلب.  كيف حول اللحن هذا الصوت الشقي المبهج لصوت أنثوي حزين فيه شجن غريب لكنه محبب وجارح. تلك النغمة العشرية التي تتكرر طوال اللحن وقام عليها سحره. لا تتركك أبدا حتى النهاية. تظل في أذنك لتعاود مرغماً الاستماع  للأغنية المشحونة بالشجن. في أغنية طاير يا هوا لمحمد رشدى يفعلها أيضا بليغ ولكن بنغمة مبهجة هذه المرة، تلك الحيلة الخبيثة التي تجعلك أسيرا مفتونا باللحن. يلح عليك مرات ومرات. لو أردت تجريب ذلك الشعورعليك الاستماع للأغنيتين والتركيز في نهاية كل أغنية عندما تصمت الكلمات.

نتوه بين الزحام والناس ويمكن ننسى كل الناس ..ولا ننسى حبايبنا أعز الناس حبايبنا.. أعز الناس.. حبايبنا.

أبحث عن صلة المحبة التي يبنيها المبدع بينه وبين الناس. فيصير قريبا منهم رغم البعد. الأجيال المتعاقبة التي تستمع للألحان ولا تزهدها. عن الملحن الذي كره الحدود والجدران فخرج فنه حرا متطورا منافسا لا يرتبط بفئة من الناس ولا زمن بعينه. ليس بالضرورة أن تكون دارسا أو مثقفا لتدرك الجمال في ألحانه. تميزها الأذن بسهولة عن ألحان غيره، على تنوعها. فهو حين يلحن لصباح  يتجلي جنونه مثلا في ( ياخدوا عيوني)، أما لنجاة  فتتجلي رقته  في ( أنا بستناك). تخرج منه ألحانا عظيمة وألحانا نمطية لأكل العيش والسبوبة، ورغم ذلك تستطيع أن تقول بثقة هذا لحنا لبليغ حمدي. في كل الأوقات يمكن أن تستمتع بفنه وأنت في الطريق وأنت تعمل وأنت تتحدث في موضوع مهم. ليس بالضرورة أن يخلو ذهنك بالكلية. ألحانه تحمل الألفة والمودة والمسئولية  لتقع في نفسك وأنت على أي حال.

من لي سواك ومن سواك يرى قلبي ويسمعه...

أبحث عن ورعه وعربدته، في حنجرة النقشبندي وتواشيحه( مولاي أني ببابك قد بسطت يدي....) فتفيض أعين الخاشعين دمعا وأملا، وبين أقدام الراقصات، نجوى فؤاد وسامية جمال تلك الأخيرة التي كان لها نصيبا من قلبه وألحانه وكيف لا وقد فٌصلت نغماته على خطوط الجسد الأنثوي  بدقة فرقصت خصورهن شغفا وفتنة.

كدبة .. أنت كدبة لكن أحلى كدبة بعتها لي الزمان.............

أتابع الرجل ذو القسمات السمراء الرقيقه الخجولة التي ذابت في الألحان يخطف قلبي وهو يحتضن عوده ويغني مع وردة أغنية دندنة. تثير وردة غيرتي وهى تغرد (ولولاك ما كان عمري اغتنى أنس وهنا ولا دندنة) وكلماتها على حق، من لحن لها مثله. يكفيها أغنية حكايتي مع الزمان تغنيها عمرا عن ألحان غيره. أقوم بكتم الصوت في أغنية العيون السود حينما يأتي دورها بالغناء وأشاركه أنا  بدلا منها، ثم أعيد المؤشر لأعلى مستوى لأسمعه يغني لي ( والله بحبك). لم أكن أعرف أن أثناء تلك التسجيلات البديعة كانت العلاقة متوترة تماما وبعدها مباشرة وصلت للنهاية. ورغم ذلك أمتلأت فنا أطرب روحي، فما يعنيني في ذلك.

أنا وأنت روح مغرمة كان حظها من السما واتجمعوا القلبين...

أبحث في رحلته المتألقة مع أم كلثوم عن الصدفة التي جعلت شابا صغيرا طموحا يغير عادات الست في الغناء، صاحبة سنوات الخبرة والشهرة والمكانة العريضة في القلوب. يفتح لها طريقا مختلفا ويحررها من  قيود طريقها سنباطي الهوى. يعيرها عنفوان شبابه في التجربة. وتمنحه هى ثقتها فيصبح اسمه يذكر جانبا لجنب مع أسامي كبار الملحنين. تغني حب إيه،  فتبدو الكلمات غريبة على عالم الست. ثورة تقودها على الإدعاء بدلا من التذلل والرضا والضعف بين يد الحبيب المخادع. وأغنيتي المفضلة بعيد عنك ومقطعها الأخير، حالة التألق والتواطؤ بين بليغ ومأمون الشناوي( كنت باشتاقلك وأنا وأنت هنا.. بيني وبينك خطوتين شوف بقينا أزاي أنا فين .. يا حبيبى وأنت فين ). ذلك المقطع القاتل لحنه بليغ من دموع  عاشقين انتهت قصصهم بالفراق ولم ينته الاشتياق. ألحانه المتجددة لثومه من سيرة الحب لفات الميعاد لألف ليلة، حققت نجاحا طغى على نجاح الكبار معها، فغفرت الست للفتى الطائش بعض عاداته المتهورة وعدم انضباطه، وتأقلمت مع جنونه.

رقيق  رقيق رقيق ، كله شعر. جديد جديد جديد، طول العمر. غريق غريق غريق، مالهوش بر، قلب حبيبي، حب حبيبي...

أتسأل عن كيفية ترجمته للمشاعر ودقات القلوب بالنغمات. الحزن ليس لونا واحدا يترجمه الناي. هناك حزنا يملؤه الغضب( رميت الورد طفيت الشمع يا حبيبي والغنوة الحلوة ملها الدمع يا حبيبي) وحزنا تملؤه الحسرة( وفي بعدك يا عيني عليا الدنيا بقت مش هيه) وآخر يملؤه الاستسلام ( كل شيء راح راح وانقضي واللي بينا مضى خلاص مضى). قس على ذلك عشرات المشاعر المتلونة التي تميل لهذا الإحساس أو ذاك. ألتمس الحُلم في قسمات وجهه هل كان سيسمح لي ببضع ساعات من وقته لو قابلته، أسأله كيف كان يقيس الكلمات بميزانه الحساس  فتخرج المشاعر التي تتوارى خلفها ألحانا صادقة.

  مرايتي قوليلي يا مرايتي .. حبيبي مجاش لدلوقتي وفاتني لوحدتي وأنتي...

على مدار سنوات ظل الحديث عن مسلسل يقدم حياة الملحن العظيم، يحمل اسم مداح القمر. وقيام هذا البطل أو ذاك بدور بليغ. المشروع يتأجل من عام لعام لظروف إنتاجية، وكلي ظمأ لأرى صورة للبليغ تطل علي من شاشة التليفزيون. لكن يراودني القلق أيضا من مسلسلات السير الذاتية التي خذلتنا دوما مثل العندليب والسندريلا وأنا قلبي دليلي وكاريوكا وقدمت صورا ممسوخة باهته لا تعكس تألق ووهج الأصل الحقيقي. برق الأمل من جديد عندما أعلن الروائي طلال فيصل كتابة رواية عن حياته. أتابع بشغف يومياته عن كتابة الرواية على مواقع التواصل الاجتماعي. عندما صدرت في معرض الكتاب  2017 ذهبت في الأيام الأولى وقمت بشرائها وقرأتها في يومين متلهفة لقاء بيني وبينه على صفحاتها لم يتم. لم أجد بليغ هناك. طل فقط من مقاطع الأغاني التي تخللت سطور الرواية. ربما أعجبني الجزء المأخوذ عن مذكرات بليغ ولكن الرواية لم ترو انتظارى الطويل.

في كل مكان، في كل كلام، في نجمة بعيدة فـي كل زمان، في كل أثنين بيتقابلوا حنين بحنين، بكل كلام تقوله شفايف العاشقين، هنتقابل في كل لقا في كل وداع.. هنتقابل هنتقابل....

بالصدفة شاهدت فيلم سوري اسمه نسيم الروح للمخرج عبد اللطيف عبد الحميد وبطولة بسام كوسا. قرر مخرج الفيلم أن يصنع فيلما عن بليغ، لا يحكي عن حادثة سميرة مليان ولا انكساره في الغربة ولا قصة حبه لوردة ولا مشوار حياته الفنية، بل إن الفيلم لا يجسد شخص بليغ من الأساس. لكني وجدته هناك حاضرا بكل فنه وألحانه العظيمة وكل ما يعني جمهوره العاشق له. حضوره الطاغي والمتميز يسطع خلال المَشاهِد. الفيلم عن قصة عاشق يتنفس عشقه نسمات، يحب فتاة  تتزوج غيره حتى تنقذه من محاولة انتحار. تعيش بائسة لأن الحب بينهم مازال. الشاب يعشق بليغ. يسمع ألحانه ويعزفها على القانون لجيرانه. يتمنى أن يقابله ويسأله كيف يصنع فنه الذي يصف كل مافي قلبه وقلوب العاشقين. الفيلم به مشاهد كثيرة تتخللها أجزاءا من ألحان بليغ. ومشاهد مكتوبة ومصورة لتشبه طبيعة بليغ. يوجد مشهد يقابل الشاب ممرضة في مستشفى و يظهر على وجهه تعبير عاشق مأخوذ، فتن لتوه. تقول الممرضة  له (فيه شي ) فيرد بعفوية (لا ما في شي، بس عيونك حلوين)، يتركها ويرحل وعلى وجهها نظرة سعادة مرتبكة. مشهد آخر يذهب ليشترى زهورا لحبيبته، يطلب من فتاة محل الزهور أن تختارها بنفسها. يأخذ الباقة ويعيدها لها مرة أخرى قائلا (اقبليها مني ) ويرحل سريعا كالنسيم. تخرج ورائه فتجد السماء تمطر ثلجا، تركها مغمورة بالحنين والثلج والحيرة في انتظار باقة أخرى لم تأتي.  الشاب يحمل السعادة والحب لكل من حوله ولا يقيده في فعل ذلك عشقه المهزوم. يفجعه خبر وفاة بليغ المذاع في الراديو والمقابلة التي لن تتم بينهم. يصمم على الذهاب  للقاهرة ليقدم واجب عزاء في شخص عبر عنه بالألحان. صلة محبة بين الرجلين من نغمات شجية.  يمشي في شوارع القاهرة مع موسيقى في الخلفية من أروع ألحان بليغ. يقف في مكان يطل على كوبري قصر النيل ولجماهير الشارع  يقول (العمر إلكن ).

عندما شاهدت فيلم نسيم الروح لم أكن أبحث عن بليغ متعمدة  ولكني وجدته فكان اللقاء، وجدت كل ما كنت أبحث عنه في فنه. وجدت سر صلة المحبة القائمة بين روحه وروحي، نسمات ترطب جفاف الحياة.

التعليقات