حكايات نجيب محفوظ بعيون صلاح أبو سيف

حكايات نجيب محفوظ بعيون صلاح أبو سيف

 

بالرغم من اختلاف اللغة المستخدمة في السينما عن المستخدمة في الرواية، حيث إن السينما تسرد الحكاية بالصورة بينما الرواية بالكلمة المقروءة، فالعين التي تستطيع أن تقرأ الكلمة وتدرك دلالاتها تستطيع أن تشاهد الصورة وما ورائها من معاني. بحث السينما الدائم عن الحواديت وصولات وجولات البشر في المكان والزمان جعلتها ترتبط بصورة ما بالرواية، ولم يمنع ذلك أن لكلا منهما أساليب مختلفة في السرد عن الأخرى. اعتمدت صناعة الأفلام على الاقتباس من أعمال الأدباء المصريين وبخاصة في فترة الخمسينات والستينات من القرن الماضي لتقدم صورة أكثر قربا من المجتمع المصري،  مثل أعمال إحسان عبد القدوس ويوسف السباعي ونجيب محفوظ. والأخير كان له نصيب كبير من الأعمال الروائية التي تحولت لعلامات في تاريخ السينما المصرية.

تستطيع من خلال قراءة روايات محفوظ ملاحظة قدرته الفائقة على اختيار المكان الملائم لحكايات أشخاصه فيمتزج المكان بالأنسان مخلفا الحدث الدرامي، توغله في الوصف فترى الصورة وأبعادها حية، في إسكندرية ميرامار تشم رائحة البحر بين الكلمات وتجدها مختلفة عن إسكندرية السمان والخريف، رصده الدقيق لصراعات البشر والتحولات الاجتماعية والسياسية التي يشهدها المجتمع. لا تقرأ في رواياته شكل الظواهر والتحولات فقط بل تدرك جذورها وأسبابها. ترى مصر فى كل مراحلها وأحوالها. وثق لشكل الحارة المصرية القديمة التي تلاشت. من خلال جمل قصيرة وعبارات على لسان أبطاله تستطيع أن تدرك أزمتهم ومناخهم الثقافي وطبقتهم الاجتماعية. ثراء رؤية نجيب محفوظ وعمقها وتنويعات شخصياته أغرت السينمائيين بالدخول لعالم رواياته المعبر بصدق عن الواقع المصري.

ألغت خيال كاميرا المصور خيال القارئ أو وضعت له إطار لجمه وهى تتجول في شوارع وحواري روايات نجيب محفوظ  باحثة عن مقاصده ، جسدت سمات أبطالها الشكلية والشخصية والنفسية، فعاصرنا عيسى الدباغ أثناء أزمته وإحساسه بالذنب وعدم انتماءه لأي شيء وبحثه عن مكان في الواقع الجديد، رأينا منزل السيد أحمد عبد الجواد الذى ضم بعض حواديت الثلاثية ودكانه الذى يبيع فيه البن والصابون والأرز، تابعنا صابر في علاقة حب ملائكية مع إلهام وصورة أبية شبح، أمل يجذبه لطريق يصطدم فيه بكريمة التي تغويه بالجنس والقتل، كأمتدادا لأمه بسيمة وحياته معها.

ولكن صلة نجيب محفوظ بالسينما بدأت قبل تحويل رواياته لأعمال سينمائية، حيث عمل ككاتب سيناريو منذ أواخرالأربعينيات. نشأت صلته بها حين التقى ابن الجمالية مع ابن بولاق الدكرور صلاح أبو سيف، فليس غريبا أن تثمر أعمالهما معا عن أصدق الأفلام تعبيرا وواقعية عن الحارة المصرية، عن البسطاء والطبقة المتوسطة التي تحارب فى ظل الظروف التي تحاوطها من أجل الصمود. كانت البداية عندما أقنع صلاح أبوسيف محفوظ بقدرته الظاهرة على كتابة السيناريو وعلمه مبادئها. فكان أول عمل مشترك مغامرات عنتر وعبلة عام 1948.  توافقت الرؤية بينهم فأثمرت عن جواهر سينمائية أبرزها فيلم االفتوة الذي كان من أوائل الأفلام التي  سلطت الضوء على سلبيات النظام الرأسمالي الفاسد الذي يخلق ويفرز مجرمين، غيلان السوق المتحكمين فيه. ما إن ينتهي أحدهم حتى يأتى الآخر تحت مظلة نظام  يستفيد من اللعبة ويحرك خيوطها من خلف الستائر. شباب امرأة واحد من أجمل أفلام الثنائي، الذي طالما اعتقدت أن بذرة  الحدوتة عاشت في خيال أبو سيف قبل إنتاج الفيلم بسنوات. فرأينا ظلها في فيلم الأسطى حسن، شخصية زوزو ماضي سيدة المجتمع التي تغوي وتستبدل عشيق بعشيق إرضاءا لشهواتها، لكن محفوظ وأبوسيف مزجوا الحدوتة مع عالم الحارة الشعبية، فخرجت شخصية شفاعات واحدة من أقوى النماذج النسائية الموجودة في السينما المصرية. برعت تحية كاريوكا فى دور جريء دون ابتزال وهو أهم أدوار تحية في السينما. أنا حرة وشخصية نسائية قوية أخرى لا تنسى،  فتاة تبحث عن الحرية وتتسلح بكل الوسائل من تعليم وعمل لتحقيقها بعيدا عن تنميط  المجتمع لدورالمرأة والفرضيات التي تعوق حركتها فى سبيل الحصول عليها. قدم هذا الفيلم لبنى عبد العزيز بطله غير نمطية كبطلات تلك الفترة اللاتي كانوا تنويعيات على صورة فاتن حمامة الملائكية. فوضع الدور لبنى في مكان مختلف عن بنات جيلها. بين السماء والارض مغامرة سينمائية لمحفوظ وأبو سيف محفوفة بالمخاطر، فيلم عن كارثة في انتظار الحدوث.15شخصية في مصعد معطل بين السماء والارض، وأرواح أبطاله معلقة بين الحياة والموت، ويضج بالضحك والمواقف الكوميدية. الأنماط البشرية المقدمة كأبطال بعيدة تماما عن الصورة الذهنية لأبطال أفلام تلك الفترة وموضوعا مختلفا عن حواديت الحب أو أفلام الحركة والأبطال الخارقة.

أعمال أخرى متميزة أثمرت عنها تجربة محفوظ في كتابة سيناريوهات أفلام أبو سيف، مثل ريا وسكينة والوحش ولك يوم يا ظالم وشيء من العذاب.

قبل عام 1960 كان العمل المشترك بين محفوظ وأبو سيف تعاونا بين كاتب سيناريو ومخرج. لم تكن السينما إلتفتت لأعمال الكاتب الكبير الروائية بعد، حيث قام أبوسيف بإخراج أول عمل روائي لمحفوظ في السينما وهو بداية ونهاية في هذا العام. لم يشترك محفوظ في هذا المشروع مثلما ظل بعيدا عن كل المشاريع السينمائية التي اعتمدت على رواياته. فيلم بداية ونهاية من أعظم أفلام صلاح أبو سيف. هذا النجاح لا نستطيع أن نعامله كصدى لنجاح الرواية لأنه ربما روايات ناجحة صنعت أفلاما رديئة والعكس. فالفيلم مشروع قائم بذاته. بذل أبو سيف جهدا ليقدم عملا غير منفصلا عن الرواية، يحافظ على رؤية نجيب. بداية ونهاية فيلم عن أسرة في قاع الطبقة المتوسطة. موت عائلها عجل ببداية مأساتها. الواقع الجديد قلص رغبات أبنائها عنوة. تأخر صرف المعاش ونقصانه  فرض على الأسرة قيودا معيشية صارمة. تقف الأم محاربة صلبة بين أبنائها، حسن وحسين وحسنين ونفيسة الذي سيمضي كلا منهم في طريق. حسن ينزلق لعالم المخدرات والدعارة لا يحرك مشاعر حب أمة إلا مصحوبا بالشفقة على حاله ومصيره. حسين يضحي  بالتعليم ويقبل بالوظيفة  من أجل  تحسين وضع أسرته. نفيسة تعمل خياطة تعاني نقصا في الجمال والتعليم والحظ. تنزلق للرذيلة، فريسة الشهوة واليأس. حسنين يعيش متذمرا، ناقما على أحوال أسرته. يطالب الكل بالتضحية حتى النهاية من أجل صعوده. أنانيته جعلته في مواجهة أخيه حسن الذى أمده بالمال الملوث ليصبح ضابطا، قرأ حسن ما في أعماقه جيدا حين طالبه حسنين بالتخلي عن حياة الإجرام ،فطالبه بالتخلي عن بذلته المدين لأموال المخدرات والدعارة بأرتدائها ويبدآن معا حياة شريفة. يتنصل من خطبة بهيه ابنة فريد أفندى الذي كان دائما فى عون أسرته. يريد دفن الماضي بكل ما يحمله ويصعد سلالم طبقة اجتماعية جديدة على أنقاض الجميع. كان شاهدا على انتحار نفسية. لم يكن ثائرا لكرامته حين دفعها للموت ولكنه كان يخاف فقط الفضيحة. أنكرها ميتة ليمحو الماضي الذي ابتلع حاضره. تراءت صورته أقبح وأحقر ما في الماضي والحاضر، فألقى بنفسه في النيل مثلما ألقت نفيسة نفسها فى لحظة شجاعة، فكانت نهاية مأساة الأسرة بالتمزق والانهيار.

دور البطولة الذي أسنده صلاح لعمر الشريف كان أفضل أدوار عمر فى السينما المصرية. مغامرة  اختيار عمر الذي تنوعت أدواره قبل حسنين ولكنها لم تغادر أطار شخصية الشاب الرومانسي أو البطل المحبوب أو ضحية المجتمع الذى تجد دائما زاوية تتعاطف معه منها، لأداء شخصية مركبة منفرة لا يمكن إلا أن تكرهها، تحسب لصلاح ولعمر أنه وافق على دور جريء ومغاير. لو تأملت تباين نظرات الشريف فى المشهد الأخير أثناء إلقاء المونولوج الداخلي للشخصية تذهل من كم الانفعالات التي تظهر فى عينيه، ما بين الآسي والحزن والفزع. أما سناء جميل ظللت أبحث عن سبب يجعلني أتعاطف مع كل الشخصيات التي قدمتها حتى شخصية فضة المعداوي بكل ما تمثله من أشياء كريهة، فلم أجد إلا تذكري لنفيسة دائما حين تحضر سناء بكل عظمتها على الشاشة، ولا أعلم أهذه نعمة أم نقمة جلبتها نفيسة لسناء.

أما الرواية الثانية التي أخرجها أبو سيف لمحفوظ هى القاهرة الجديدة، التي تحولت لفيلم يحمل اسم القاهرة 30.  واقع  متعثر وفقيريعيشه علي طه ومحجوب عبد الدايم وإحسان شحاته، في مجتمع طبقي فاسد لا يعترف إلا بالمحسوبية والوسطة، ويدهس كرامة وأدمية البسطاء. لكلا من شخصيات الفيلم وجهته في الحياة. علي طه الطالب الجامعي النقي  الذي يؤمن بالتغير والثورة ويتبنى مبادئها، يحب إحسان ولا يستطيع أن يضع حلا لمشاكلها مع الفقر ومستقبل عائلتها المجهول وغواية أبوها وأمها المتلاحقة لها، والطريق طويل كما يقول لها علي. تسقط ولا تستطيع المقاومة مع أول إشارة من دنيا جديدة يفتحها لها قاسم بك وكيل الوزارة  ابن الطبقة التي تستحوذ على أحلام البسطاء وتقهرهم فتصبح عشيقة له. يتزوجها محجوب طمعا في وظيفة تجعله يعيش فى مجتمع  قاسم بيه وسالم الإخشيدي ابن قريته، ولو مهدور الكرامة، محققا حلمه بأمتلاك  جمال احسان. يستفيد الكل من سقوطها قاسم ومحجوب وعائلتها. أستغلها الجميع إلا علي. لا أنسى أبدا زيارة إحسان لعلي الأخيرة ونظراته الطويلة لهيئتها الجديدة فظهرعلى وجهها شعور بالخزي، حواره لها في هذا المشهد ( لازم نتحاسب من أول أكبر رأس في البلد لغاية محجوب، اسمحيلي أحط محفوظ في ذيل القائمة لغاية ما يثبتلى أن جاب الفستان والخاتم من طريق مشروع). بين مبادئ علي الذى يتمسك بها، وشعارمحجوب الذى يرفعه (طظ ) مصحوبا بضحكاته الساخرة، أمل بالتغير يحيى به على، وأمل ببقاء الأمور كما هى يصدقه محجوب.

رغم أن نجيب محفوظ عمل كسينارست مع مخرجين عظام مثل توفيق صالح في درب المهابيل  وعاطف سالم  في إحنا التلامذة وكمال الشيخ في بئر الحرمان ومع يوسف شاهين في الاختيار، وتحولت روايات كثيرة له أشهرها  الثلاثية، وميرامار ،واللص والكلاب، وثرثرة فوق النيل لأعمال سينمائية عظيمة، إلا إن عمله مع أبوسيف كان مذاقه مختلفا. حدث بينهم انسجام  كبير  وتقارب فى الرؤية الواقعية لمشكلات المجتمع. لمعت النجوم وتألقت في عالمهم السينمائي، وحين تجول أبوسيف بكاميراته بين سطور روايات محفوظ التقط التفاصيل والرموز، ولم يبتعد عن مقاصد وعالم الحكايات الذى بناه محفوظ فأنتج صورة مرئية قريبة جدا من صورة محفوظ المقروءة

التعليقات