لحن من الذاكرة

لحن من الذاكرة

 

استماعي لأغاني أم كلثوم جاء متأخرا ومتحفظا  وفي البداية متخفيا عن آذان من شاكستهم دوما بأني لا ولن أحبها. تدرجيا أحببت الصورة قبل الصوت ..صورة المرأة التى يحتفي بها الجميع في زمانها وفي كل الأزمان. لها مريدين يأتوها من كل فج عميق لتحدثهم أحاديث الهوى واللوعة والفراق. تقف كملكة وسط العازفين أمامها الجمهورالمتلهف ليستمع منها آة حب أو تنهيدة تشفي أو تشقي القلوب. المشهد مهيب. إمرأه تغنى هذا الكلام الصريح في الحب  وتنال إعجاب الحاضرين. الرجال قبل النساء. في مجتمع له نظرة متحفظة من جرأة المرأة في الإعلان عن حبها. يباركون ويتيهون شغفا وتقديرا بهذه المرأة في صوت أم كلثوم. أعشق جرأة وحرارة الكلمات حين تغنى للحب. تغازل عيون المحبوب وتصف عطره و تعشق أحيانا قسوته تصف الأشواق والهجران والوله وحالة الاستسلام الكامل لسطوة الحب وتلقى استحسان (عظمة على عظمة على عظمة يا ست ). أعرف أن الكلمات من تأليف الرجال وتلحين الرجال. لكن التي تتصدر المشهد إمرأة قوية تلقى ترحيب الرجال. حين تستجدي المحبوب فبقوة وكبرياء. هو حقها فلها أن تفعل في سبيله ما تشاء. حتي أنني تمنيت أن أعيش شقاء تجربة حب أدمت قلبها. مرضت بها وبصوتها وبالحالة التي بها أكثر مشاهد الحب تلقائية وحرارة. الجميع يغني للحب ولكن أم كلثوم حالتي الخاصة المكتملة التي اشفع وأقبل بها كل صور وخيالات الحب.

تقف أم كلثوم على خشبة مسرح سينما قصر النيل.. تميل رأسها من نشوة الغناء وبكل ثقة وصدق تغرد ( دا العمرهو الحب وبس). ينفعل معها الجمهور بالتصفيق والتصفير مؤمنا على الحكمة التي خرجت من حنجرة إمرأة تخطت السبعين. معظم أغاني الحب عندها تدور في فلك علاقة الحب بالعمر والأيام . وها هي تعلن خلاصة تجربة السنين . أغالب ارتباكي  وأعاود  الاستماع  لللأغنية. لا أكف عن التفكيرفيما غنت. أذا كان العمر هو الحب وبس ..فهذا ليس عدلا. أين أعمار من عاشوا بدونه. أو ما معنى الأشياء الأخرى في أعمارنا. هل قصدت أم كلثوم أن هناك لحظة يُجنب فيها العاشق ماضيه ومستقبله وحاضره وإحباطاته ويشعرأنها بكل العمر. لحظة واحده ولكنها تستحق أن تعاش. ماذا لو فاتنا الحب. ستفوتنا حلاوة تلك اللحظة ويفوتنا العمر. ربما الحب يبروز الأشياء ويجعل لها معنى. ربما خافت ثومة علينا من الندم الذي يشغلنا عن باقى العمر أذا فاتنا قطار الحب.

كنت جالسة فى سيارة ميكروباص بجانب الشباك عندما لمحت تلك الفتاة تنظر لى و تبتسم. فتاة فى سن المراهقة لا أعرفها لماذا تبتسم لي هذه الإبتسامة الواسعة التي فيها مفاجأة الصدفة. نظرت أمامي وتعلقت عيني بخطوط رقيقة لإبتسامه أخرى على جانب وجه السائق. ورأسه بأتجاه الفتاة مباشرة. تمنيت لو أرى العينين.  تأكدت أن إبتسامة الفتاة كانت للسائق. ولم يراودني الشك. خاصة أنه تهادى بالسيارة قليلا. ربما زلزلته الإبتسامه الساحرة ووميضها الذي يبعث له رسالة لا تنتظر رد. مشهد بسيط صامت ورائع. إلتقطته كاميرا عيني الباحثة بزاوية جانبية منخفضة لوجة السائق ولقطة متوسطة للفتاة كأني كنت أترقبه فجلست فى هذا المكان بالتحديد. حبست المشهد فى خيالي طوال الطريق لينقذني من مشاهد أخرى. كان ينقصه فقط لحنا يترجم الصمت في الخلفية. لو أني أعرف محتوى رسالة الفتاة لاخترت اللحن المناسب. في الحقيقة أنا لا يعنيني أسكتمال تفاصيل القصة ولكن يعنيني صدق وحلاوة لحظة اللقاء مثلما شعرت بها ويعنيني اللحن.

لي صديقة تبحث عن الحب. تتشابه بدايات قصصها والنهايات. في أول العلاقة يكون الأنبهار. كل شيء يكون سريع وقوي ثم تأتي المماطلة في التصريح بما تريد من الطرف الآخر. ويصبح كل شيء بطيء وبارد. يخذلها كل من أختارت دون سبب واضح. تعيش شهورا من التعاسة. وسرعان ما تبدأ قصة جديدة. أعتقدت فترة أنها تبحث عن الزواج. لم أعرفها حقا إلا حينما توجت إحدى قصصها بالإرتباط الرسمي.  كانت في هذه الفترة متوترة دائما و حالتها النفسية سيئة و لا تجد سبب يقنع الأخرين للخلاص من الحدوتة. كانت أيضا قصة قصيرة. خذلت هى الطرف الأخر هذه المرة. لأنها ببساطة لن يفهمها البعض لم تكن سعيدة. لم تحبه. لم تعد حزينة على قصصها السابقة ولا ناقمة على من خذلها يوما...

من الشخصيات الدرامية القريبة مني. شخصية نجوى في (شقة مصر الجديدة).. فتاة بسيطة تذهب للقاهرة لزيارة (أبله تهاني ) مدرسة الموسيقى التى حدثتها يوما عن الحب ولا تجدها وتجد بدلا منها يحيى (الحب) في شقة مصر الجديدة. أبحث دوما عن وجه الشبه بينى وبين نجوى وأتمناه. لم تكن لدى (أبله تهانى) تحدثني عن الحب بل لم تكن مدرسة الموسيقى  تحدثنا يوما عن الموسيقى. ولكنى أتذكر فى المرحلة الثانوية. جاء إلى المدرسة مدرس موسيقى. شاب صغير جاء للتدريب. كان يجلس  فى غرفة الموسيقى ونلتف حوله في دائرة وننظر للأرض وكلنا خجل من وسامته وحداثة سنه. كان أيضا خجولا. يغالب خجله وقلة خبرته و يحدثنا عن الموسيقى فنضحك. يعزف لنا على الأكورديون لحن أنت عمري فتذوب الارض تحت أقدامنا. كأنه يلقى علينا درسا فى الحب. في منتصف العام غادر الأستاذ الذى لا أذكر اسمه مودعا تلميذاته بالإبتسامات الصامتة. لتعود حصص الموسيقى فى النصف الثاني من العام  للثرثرة والطعام. لكن كان يزورها بانتظام طيف من حنين لذلك الشاب الصغير الذى اختار لحن (أنت عمرى ) ليجذبنا لتعلم الموسيقى.

لا تثير إعجابي مشاهد الحب المغرقة بالزهور والشموع  وركوع البطل تحت أقدام البطلة.يثير إعجابي مشاهد الإبتسامات والنظرات الصادقة. ها هي نجوى تقرأ  (لأن الحياة ستظل تفأجنا دائما ولأن البهجة تبحث عنا مثلما نبحث عنها )  كتبتها أبله تهاني لنجوى فى الخطاب الأخير. تخبرها فيه أنها وجدت رجل حياتها و أن أنتظارها الطويل كان له معنى. هل وصلت أبله تهانى للحظة التى شعرت فيها أن العمر هو الحب و بس كما تقول ثومه فلم يعد يهمها الأنتظار الطويل و تسامحت مع  العمر الضائع. أفكر في ذلك وأنا أشاهد يحيى على ظهر موتوسيكل بالطريق  يلاحق التاكسى الذى تركبه نجوى. وعلى فمه إبتسامه واسعة فتنتبه له نجوى وتبادله الإبتسام والإلتفات له عندما يتخلف عنها فى الطريق. بينما يلتقط  خيالي لحنا من الذاكرة يعزفه أستاذ شاب صغير لمجموعة فتيات حوله. محتوى الرسالة. لحن الخلفية  لمشهد فتاة الطريق و السائق (انت عمرى)...

 
التعليقات