كليات «الأمان»

كليات «الأمان»

ربما كانت الثانوية العامة هي المرة الاولى التي أشعر فيها بأن الحياة ليست عادلة، وقتها لم استطع أن استوعب عبثية اللحظة ، و كان يدور في رأسي سؤال واحد إلى أين ذهب كل ذلك المجهود الذي بذلته ؟ هل أخذه من لا يستحق؟. في تلك الأيام بدا لي مستقبلي على أنه مجهولٌ فوق مجهول ،شديد القتامة ، كنت أحاسب نفسي على كل تلك الاخطاء التي ارتكبتها و التي لم ارتكبها ،و سكنت مخيلتي كلمة واحدة فقط أنني لا استحق. لن أقول أنني بت اليوم أحسن حال و لكنني ربما اهتديت إلى السبب الذي حولت الثانوية العامة إلى وحش يهابه الجميع.

الثانوية العامة هي المرحلة التي تفصلك عن اللحظة التي تخلع فيها عباءة الدراسة التي تتنكر فيها على هيئة طفل ، بضع سنوات و يطردك المجتمع من صفوف التلقين لتصبح وحيدا في مواجهة الحياة ، لتمشي وحيدا في منتصف الطريق لتواجه المجهول ،و نحن في مجتمعنا المصري نخشى كل ما هو مجهول و غير متوقع ،  طبيعة الحياة في المجتمع المصري تفرض الركود  الذي يخالف استمرارية و رحابة الحياة لذلك اختزلنا المستقبل في سنة واحدة ،ربما هو حل ينتمي إلى ثقافة "المشي جنب الحيط" و هو المبدأ الذي نطبقه بعناية في كافة جوانب حياتنا ، و تسيطر هذه الاستراتيجيه على شتى اختياراتنا الحياتية

و عملا بهذا المبدأ اهتدينا إلي ثقافة " كليات القمة" ، كليات الطب و الهندسة ، الكليات التي تضمن لك وظيفة و مكانه اجتماعية كبيرة ، فمنذ يومك الأول بكلية الطب أنت على يقينبان هناك وظيفة حكومية بانتظارك ، وظيفة سهلة المنال مضمونة المرتب- على الرغم من ضالته- و لكن يبقى في النهاية "مكسب مضمون" وربما ذلك المنظق هو خلف المثل الشعبي "إن فاتك الميري اتمرمغ في ترابه".

إذا فانت آمن ،فلديك وظيفة في ذمة الدولة لا يستطيع أحد ان يسلبها منك أو يصارعك عليها و لست في حاجه إلى الدخول في دوامة البحث عن وظيفة مثل زملائك الذين تخرجوا من "الكليات الكويسة" الاخرى ،و لن تمر بمراحل المقابلة الشخصية و مدير الموارد البشرية ""HR و لن تضطر للإجابة عن السؤال الذي حير الجميع "شايف نفسك فين كمان خمس سنين؟".و الحتمية هي التي رفعت من مكانة هذه الكليات فلا يكف الجميع عن المرض ولا عن الرغبة في تشييد المزيد من الأبنية ، لذلك فأنت معفي مسبقا من الاجابة على " و اما تتخرج بقى هتشتغل ايه؟"

أما عن باقي الكليات فأنت وحدك من تستطيع أن تشق طريقك ، لا يوجد أي ميري يمر من طريقك ، هي كليات تنتمي إلى الثقافة النسبية فمن يحتاج إلى أديب او مترجم أو من وهب عمره في دراسة الأدب أو من يحتاج نحات او مصمم ازياء أو ممثل ، كل تلك المهن التي تعتمد على الموهبة و الحظ و الإرادة و الكثير من المفاهيم التي لا تندرج تحت خانة الركود ، الجميع يريد النجاح المضمون، لا يوجد من يسعى إلى القمة او إلى التميز الجميع يريد الأمان  لذلك يحاول الأهل بكافة الطرق الاطمئنان على مستقبل ابنهم او ابنتهم من خلال كليات القمة فهم لن ينتظروا إرادة ابنهم ومساعيه و محاولاته لصنع نفسه لن يتركوا القرار بيده و لكن من الاولى أن نسلم المفتاح الى يد الميري ،هكذا اعتدنا في المجتمع أن نختار ، اخترنا أن نسير في طريق الركود ، و الخوف هو الدافع الدائم وراء اختياراتنا ، ليس هناك ما يسمى قمة و قاع و لا هناك ما يشين ال 90% و يبرز ال 98% ، كلها تصب في خانة الاختيارات التي حرمنا منها. المستقبل لا علاقة له بسنة واحدة أو سنتين و أن تلك الارقام لا تشير الى شىء، و ان مفاهيم العالم اصبحت اكبر من الطب و الهندسة و ان ما نفعله في بلادنا لا علاقة له بالعلم و انما هو وسيلة اخرى نحو الركود العقلي و الاجتماعي ، دائرة تشبه الحياة نرسمها منذ عصور ، فمنظور الحياة لدينا يقوم على النظر تحت أقدامنا لأننا لا نمتلك الشجاعة الكافية حتى ننظر إلى الامام حيث المجهول.

يجب التعامل مع هذه الفترة من حياتنا على انها مرحلة استكشافية ، لا على أنها مرحلة تحديدية لا يجب أن نكسبها كل هذه الجدية هي مرحلة مهمة مما لاشك فيه و لكن ما نفعله  في الواقع هو تحميلها فوق حقيقتها ، فالحياة تتسع دوما للفشل و النجاح و الشجاعة هي أساس هذه الحياة كما يقول وودي الن.

لم اكتب هذا المقال بدافع الحقد على كليات القمة فأنا مازلت اعتقد انني كنت سأكون طبيبة جيدة جدا اذا التحقت بكلية الطب و ان هناك بداخلي حب لا استطيع التخلص منه تجاه هذا المجال و لكن احاول تفسير الدوافع الاجتماعية التي تدفع الجميع بجنون الى هذه الكليات، و أيضا هذا المقال بريء من التنمية البشرية.

التعليقات