حين يكون القمر بدرا

حين يكون القمر بدرا

        جميعنا نتفق ونقر بوجود القمر حين يكون ساطعا يملأ السماء وجودا، ويرسل بضوءه المبهر إلى الأرض لتراه وتشعر به جميع المخلوقات وليس الإنسان فحسب، ولكننا نختلف فى الإنطباع الذى نكونه حين نراه، وتختلف مشاعر وأحاسيس كل منا عن الآخر تجاهه، ونختلف حول أهميته بالنسبة لكل منا، بل قد لا يكون مهما على الإطلاق بالنسبة لشخص ما، فى حين أنه على قمة إهتمامات آخرين كعلماء الفلك والبحار والبيولوجيا وغيرهم، إلا أنه – أى القمر – فى النهاية موجود.

        وكذلك فإننا جميعا نؤمن بأن الخمر تذهب العقل،  وهناك بعض الناس تمنعهم قيمهم وأخلاقهم من شرب الخمر، لأنهم يعلون قيمة الدين وإرضاء الله عما سواها من قيم، إلا أن هناك من يتناولونها فى الخفاء وهم من الذين يعلون قيمة المجتمع – وكلام الناس - الرافض لهذا السلوك فوق قيمة الدين، وهناك من يتناولونها فى العلن دون أى حرج، لأن قيمة الشهوة والرغبة وإشباع الذات عندهم فوق كل القيم، إلا أنها فى النهاية – الخمر - تذهب العقل.

       ولأن القيمة التى تعنى القدر أو الثمن تتولد عن قيم أعلى وأشمل وأعم، فمن هذه القيم وغيرها تتولد قيمة مهمة للغاية، وهى قيمة الإحترام، إحترام عقول الآخرين، وإحترام معتقداتهم وإهتماماتهم، ودون السخرية منهم على أية حال.

       هذه المبادئ وغيرها الكثير يغلب عليها طابع الحرية الفردية كحرية المعتقد وتوجيه الإهتمامات و ... غير ذلك، أوحرية الفكر والبحث العلمى عند فئة ما بعينها تقوم على دراستها، ثم تقدم لنا ما توصلت إليه لنؤمن به أو لا نؤمن، فتلك قضية أخرى.

       ولأن هذه المبادئ موجودة فى كل المجتمعات، تجد أن كل مجتمع داخل بعض الدول يضع الدستور المناسب له، ومن ثم القوانين الحاكمة لتحد من الحرية الفردية التى قد تؤدى إلى الفوضى والصدام والتناحر، وهذا الأسلوب هو ما نسميه بالديموقراطية، نعم .. فالديموقراطية تحد من حرية الفرد داخل المجتمع ومن حرية الحاكم فى نفس الوقت، فقد كانت الحرية فقط عندما كنا نضع الدستور، أما اليوم فلا مجال لغير إحترام هذا العقد الإجتماعى ووضع القوانين المنفذة له، وبالأسلوب المتفق عليه فيه، ودون لف أو دوران، فالأرض عندما تُملك لا تملك ولا تخصص إلا بقانون عام وليس بقرار فردى، والسكن عندما يخصص لا يخصص إلا بقانون لا بقرار ... وأهالى الشهداء يكرموا بقانون عام لا إنتقاءا ولا تفضيلا ... ومكافحة الفقر تكون بقانون عام يشمل الكل ولا يتاجر بأحلام البؤساء ولا بعقول المجتمع.

         وعلى جانب آخر ... إذا كنا نريد لقيم العدل والحق والمساواة أن تسود، فلا بد أن نتخلى عن الميول والأهواء والإنحيازات الفردية، والتى لا تشبع إلا رغبات شخصية يغلب عليها طابع الأنانية وحب الذات، ولنبحث عن قيمة العدل فى المطلق، والحق المطلق والمساواة المطلقة.

     فعلى سبيل المثال ... قد شهد العام الماضى العديد من الإحتجاجات ضد قانون الخدمة المدنية لعدد من مؤسسات الدولة على مستوى الجمهورية، مثل (النيابة الإدارية، نقابة الأطباء، جهاز التنظيم والإدارة، نقابة المعلمين، جمارك سفاجا، العاملين بالضرائب والجمارك، العاملون في وزارة التخطيط، النقابة العامة للعاملين في البنوك) ، ولكن إختلفت دوافع كل منهم للقيام بهذا التصرف، فمنهم من أراد أن يخرج إلى دائرة غير المخاطبين بقانون الخدمة المدنية كموظفوا، حيث أعلنت النقابة العامة للعاملين بالضرائب على المبيعات ممثلين عن العاملين بالضرائب المصرية، عن تنظيم وقفة احتجاجية أمام مقر مجلس الوزراء يوم 10 أغسطس الماضى، للمطالبة بوقف تطبيق قانون الخدمة المدنية على العاملين بالمصلحة، ومنهم من لا يريد رقيبا عليه يملك بعض صلاحيات المحاسبة أو الفصل الواردة بالقانون و ... إلخ .

      الكل إذن يتكلم وينتقد ويعترض وأحيانا يمتدح، ولكن ما هو المبدأ الذى ينطلق منه ويرتكز عليه معظمهم؟ ... وما هى القيمة العليا التى يسعون إليها؟ ... إنه مبدأ الأنانية وحب الذات، وقيمة رخيصة ولاتساوى شيئا إلا عند صاحبها، ولهذا لن تحقق أى شئ للمصلحة العامة، وسنظل ندور فى حلقة مفرغة لا خلاص منها إلا بالتخلى عن الأنانية وإعلاء قيم العدل والحق والمساواة المطلقة.  

التعليقات