مجددون للأبد

مجددون للأبد

 يقول الإمام الغزالى الذى عاش فى القرن الخامس الهجرى فى خاتمة كتابه (ميزان العمل): أن الشكوك هى الموصلة إلى الحق فمن لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر، ومن لم يبصر بقى فى العمى والضلال.  ومن هنا ينطلق الإمام الغزالى بمنهجه العلمى الشكى كمصباح ينير له عقله تجاه العقائد الموروثة، ففى العقيدة الدينية – على سبيل المثال - وجد أنها تنتقل إلى الإنسان عن طريق التقليد لا أكثر.

 وفى نفس السياق جاء الفيلسوف الفرنسى (رينييه ديكارت) الذى عاش فى القرن السادس عشر للميلاد متأثرا بمنهج الإمام الغزالى، وقدم لنا مثاله المعروف ب (سلة التفاح) ليؤكد لنا ضرورة القيام بفرز منهجى للأشياء، وأن نسير ببطئ ونتدرج فى خطواتنا للوصول إلى يقين لا يعرف الشك، فإذا كان لديك سلة بها تفاح بعضه قد أصابه العطب، فإن الطريقة الصحيحة لفرزه هى أن تقوم بتفريغ السلة عن آخرها، ثم تنتقى السليم منها وتعيده إليها، وبذلك تضمن أن كل ما دخل السلة هو فقط السليم، وهكذا يجب أن يتعامل العقل مع الأفكار.

 ولا يمكن أن نتكلم عن التجديد دون ذكر أحد أهم رموزه فى الفقه الإسلامى، وهو الإمام محمد عبده الذى أسهم  بعد التقائه بأستاذه جمال الدين الأفغاني في إنشاء حركة فكرية تجديدية إسلامية في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين تهدف إلى القضاء على الجمود الفكري والحضاري و إعادة إحياء الأمة الإسلامية لتواكب متطلبات العصر .

ويتلخص المنهج الفكرى للإمام محمد عبده فى قوله : لا يمكن للمسلم أن ينهض النهوض اللائق بدينه إلا بدءا من استعداده للدخول للآفاق اللامحدودة من العلم والعمل، التي شرعها له الإسلام ، ولا يقدر على الشروع في هذا الاستعداد إلا بدءاً من العودة إلى أصول دينه، أعني إلى نبذ التقليد وإلى النظر العقلي، وإلى الاجتهاد والتجديد ...

وفي الاجتماع والتشريع ... وأشار إلى ضرورة إنشاء المؤسسات الدولية الملائمة، إذ كيف يكون للشعب مجلس نيابي، وهو لا يعرف أن يدير مجلس بلدية، أو ليس له هذا المجلس؟ وما يكون معنى الدستور وقيمته في بلاد لا يعرف أهلها كيف يمارسون  أبسط القوانين؟ فالحق أن القانون المتقدم لا يثمر في بلاد متخلفة.

وعليه ... فإن اليقين مرتبط إرتباطا وثيقا بالحرية، أى تحرر العقول حبيسة الأفكار والمعتقدات الموروثة التى تبدو عند البعض حتمية لا تقبل المراجعة أو الفرز أو التفنيد، فى حين أنه ليس هناك ما يؤكد أن تلك الأفكار أو المعتقدات كلها صحيحة بإطلاق.

 فيمكن للجميع أن يقولون (نعم) إستسلاما وإرتكانا وتنحية لعقولهم، فهى - نعم - غير مكلفة على أيةِ حال، ولكن قليلون هم من لديهم القدرة على الإعتراض أو يستطيعون أن يقولوا (لا) لأنها تكلفهم الكثير من الفكر والجهد .. وربما المال .. وأحيانا الحياة.

 نتحدث كثيرا عن العلم والقوانين العلمية، ولكن هل نعلم جميعا أن فى العلم لا يوجد شئ إسمه حقيقة؟ .. وأن القوانين العلمية لا تستطيع أن تعرف حقيقة ولا ماهية أي شيء، بل تقتصر مهمتها على إبراز سلوك ذلك الشيء في ظروف معينة، وعلاقته بالأشياء الأخرى، والكيفيات التي يوجد بها في الظروف المختلفة، وأننا نعيش فى عالم متغير لا يعرف الثبات، وأن ما كان يناسب من قبلنا وأيضا ما يناسب غيرنا ليس بالضرورة يناسبنا ؟.

 

       إذا كنت دائما ما تبحث عن قيم رفيعة كالحق والعدل والخير والحب والجمال ... فالتعلم أنك – ودائما أيضا – ستظل تبحث طيلة حياتك، فهى فقط  نماذج محفزة على الحياة، تشعر بها فى طريق البحث عنها .. ودون أن تدركها، ولكن المهم أن تظل دائما فى حالة بحث مستمر دون كلل أو ملل، فإن التوقف حتما سيجعلك تابعا مستكينا مسلوب الإرادة ... وغالبا مهمشا وبلا فكر ... وبالضرورة غير موجود .

          فلا أحد يحتكر العلم، وليس هناك أحدا يستطيع أن يحجر على الفكر، فكل شئ قابل للتجديد والتفنيد والفرز، الحجة بالحجة ... والفكرة بالفكرة ... والعلم بالعلم، دائما وإلى الأبد.

      

التعليقات