رحل الطاهر مكي

رحل الطاهر مكي

"أؤمن بالإنسان وبكل ما يؤدي إلى رفِعة الإنسان، سمِّها إسلامية .. سمها اشتراكية .. أو حتى سمها شيوعية، المهم أن تؤدي في النهاية إلى رفعة الإنسان".. هكذا بدأ حديثه الدكتور الطاهر أحمد مكي، عندما سألتُه عن توجهاته وانتماءاته، في حوار نُشر على صفحات جريدة الأهالي قبل سبع سنوات  استغرق قرابة ثلاث ساعات..

جاءت ردود الطاهر المكي كلها معبرة عن واقع مرير ساد فيه التخلف والجهل وإهمال العلم والعلماء وانتشار الفقر وزيادة الفقراء، قائلا "إننا أصبحنا نتقهقر إلى الخلف ولم يعد وراءنا خلف نتقهقر إليه"، إلا أنه كان دائما متشبسًا بالأمل وبخلق جيل جديد يسترد مصر في أي وقت.. وقال ساعتها إن وزارتي الإعلام والثقافة يجب إلغاؤهما، وأن الأزهر غلبان ولا سلطة له، في إشارة إلى غياب الدور الحقيقي لتلك المؤسسات آنئذ..

استطرد الدكتور القناوي حديثه ردا على استطاعته الجمع بين العمل الأكاديمي والصحفى عبر تدريسه النصوص الأدبية في كلية دار العلوم، وتوليه أول رئاسة تحريرية لمجلة أدب ونقد ذات التوجهات اليسارية عام 1984، وهو صاحب النشأة الأزهرية، قائلا إنه لم يعمل يومًا في صحيفة لا يعلم مصدر تمويلها، وتابع: كنتُ أستكتبُ كُتّابًا من دون أي مقابل، في وقت كان هناك من يتقاضى مئات الدولارات في أماكن أخرى.

ورغم أن الطاهر مكي أزهري اللغة، أندلسي الهوى، ويساري التوجه، فلم يتعامل مع طالب - وكنت ممن شرفوا بالدراسة على يديه- على أساس أيديولوجي، ولم يقف مرة مع طالب أو أستاذ على أساس المذهب السياسي أو العقائدي، ولم يكن مهتمًّا في الجامعة بغير المعرفة والمنهج البحثي، وكان مكتبه مفتوحًا للجميع دائمًا، بشهادة كل من قابله.

أخذ مكي على عاتقه محاربة تفشي اللغة الفرنسية في المغرب العربي، بادئًا بالجزائر ونجح برفقة بعثة من أساتذة الجامعات في أن تكون دراسة اللغة والأدب والشريعة والأدب المقارن باللغة العربية في جامعة الجزائر، وقدّم لهم الأثر العربي في الحضارة الغربية.

رحل عنا مكي ونحن ما زلنا نتقهقر إلى الخلف، وهو الذي ظن يومًا أننا بلغنا الدرجة القصوى من ذاك التقهقر، رحل ولديه رصيد جم وعلم كم، شمل ترجمات من الفرنسية للعربية والعديد من الكتب والمؤلفات، رحل وهو من قضى نحو 93 عامًا مملوءة بكنوز المعرفة والثقافة، رحل وترك رصيده المعرفي في كتاب مفتوح يقصده الباحثون والمثقفون، رحل وتركنا نواجه الغلاء والبلاء والوباء، رحل عميد الأدب الأندلسي.. رحل بقلبه الطاهر.. الطاهر مكي.      

 

التعليقات