كونداليزا رايس فى سوق الخميس!

كونداليزا رايس فى سوق الخميس!

 

         أعلم أن قضية إستخراج تمثال رمسيس الثانى من أرض سوق الخميس فى المطرية، نالت الكثير من الإهتمام والنقد، وإلقاء اللوم على القائمين على هذا العمل، وذلك بعد إنتشار الصور والفيديوهات التى وثقت هذا الحدث، وإمتلأت بها شاشات القنوات الفضائية ووسائل التواصل الإجتماعى بأنواعها، وأظهرته فى صورة جريمة تاريخية وحضارية، إقتصادية، وهى محقة بكل تأكيد.

               إلا أننى أتناول هذا الأمر من زاوية أخرى مختلفة نوعا ما، وهى زاوية الفوضى الخلاقة، التى كثيرا ما إقترنت بإسم كونداليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية فى عهد الرئيس الأمريكى جورج دبليوبوش، وخاصة مع بدايات ما سمى بالربيع العربى، وذلك فى ظل الإيمان الراسخ لدى البعض بنظرية المؤامرة، تلك  التى يفسرون بها أىٍ من الأمور التى تبدو غامضة، من أجل أن تظل هكذا غامضة وبلا تفسير، فتفسيرها حتما سوف يظهر أوجه التقصير التى يعاقب عليها القانون، بل الدين والأخلاق أحيانا.

            والحقيقة أننا لسنا بحاجة لأن يتآمر علينا أحد بنظرية الفوضى الخلاقة، فنحن لدينا منها ما يكفى لإغراقنا وزيادة، حتى أننا قادرون على أن نصدر منها للعالم أجمع إذا ما طلب منا لا سمح الله !.

       نعم لنا أعداء، وايضا لنا محبين وحلفاء، ولكن – بالمناسبة –  مثلنا فى ذلك مثل كل دول العالم تقريبا، ولكن لا أحد فى العالم يلجأ إلى إقحام نظرية المؤامرة فى تفسير كل كبيرة وصغيرة إلا نحن، لتظل أوجه التقصير وأسباب الخلل تعبث فى الظلام لتحقيق مصالح شخصية أحيانا، وأحيانا أخرى لأن الجدية والإلتزام ستكلف بعض المجهود وتحمل المسؤلية، وهو ما لا يريده البعض بقولهم ( إحنا ح نجيب لنفسنا وجع الدماغ ليه ) !.

      أما عن جانب المصالح الشخصية، والتى تشمل الرشوة والإبتزاز وكثيرا من أشكال الفساد، وبالرغم من توالى سقوط العديد من المسؤلين فى قضايا فساد فى الفترة الأخيرة، مما يؤكد للجميع أن الجهاز الإدارى ملئ بمثل هذه القضايا، إلا أنك دائما تجد من يتعرض لك عندما تتطرق إلى تلك القضايا، ويأخذك فى منطقة أخرى تماما، ليجعل منك عدوا للدولة، بل وللرئيس شخصيا، هؤلاء فى الواقع هم جزء من المؤامرة التى تحمى الفساد.

      أما الجانب الأهم من وجهة نظرى، فهو الفوضى الإدارية، والتى تتمثل فى تنفيذ القوانين على (بعض) المخالفين، وذلك مع عدم محاسبة المقصرين من الجهاز الإدارى الذين لولا تقصيرهم ما كانت المخالفة، فكل مخالفة وراءها بكل تأكيد تقصير إدارى.

     كل المسؤلين بمحافظة المنوفية ومركز تلا، كانوا على علم بأن هناك أسرة مكونة من خمسة أفراد  دخلت فى إضراب عن الطعام بمستشفى تلا المركزى إعتراضا على عدم تنفيذ قرار إزالة صادر عن المحكمة، لمنزل إستولى صاحبه على 37 مترا من الشارع، وبالرغم من ذلك لم يتحرك أحدا من المسؤلين، حتى ماتت الأم لإصابتها بهبوط حاد ناتج عن الإضراب عن الطعام لمدة خمسة عشرة يوم تقريبا، وفى اليوم التالى لواقعة الوفاة تحركت كل الأجهزة وقامت بتنفيذ الإزالة !.

       إن من يحاول فهم هذه القضية، لا بد أن يستخدم منهج السفسطة الهزلى، لأنه سيصل إلى أن المواطن الذى تعدى على الشارع العام قد حماه (القانون)، وإلا كان أوقفه أحد المسؤلين ! ... ثم بعد ذلك لجأ المتضررون – فقط – إلى (القانون) الذى حكمت بمقتضاه المحكمة بضرورة إزالة المبنى ... ثم عَطل الجانى قرار المحكمة (بالقانون) ... وتعطلت الجهات المنوط بها تنفيذ القرار إستنادا إلى (قانون) ... حتى نزل قانون السماء، ليريح تلك السيدة من هذا العالم المتآمر على نفسه ... ثم فجأة وبعد كارثة الوفاة، تذهب الأجهزة لإزالة المبنى، وذلك أيضا بالقانون !!!.

      كذلك .. وفى واقعة إستخراج تمثال رمسيس الثانى من أرض سوق الخميس بالمطرية، قد تم إخراج الجزئ الأول (الرأس) من التمثال بطريقة مهينة، تمثلت فى إستخدام (كراكة) ل (تغرف) رأس التمثال، ثم تلقى بها على الأرض ليعبث بها الأطفال، حتى أن جاء أحدهم ووضع عليها بطانية إسبايدرمان!

      ولما عُرض الحدث على الرأى العام، إستنكره المتخصصون، وأطلعونا على الطريقة المُثلى التى كان يجب أن يتم التعامل بها مع مثل هذا الإكتشاف، مما أثار غضب المتابعين للموقف.

    وبناءا عليه، وعند إستخراج الجزئ الثانى (البدن) للتمثال من باطن الأرض، تغيرت طريقة التعامل معه تغييرا كاملا، حتى كاد يشك البعض أن ما حدث منذ يومين فقط كان فى دولة أخرى متخلفة ! ... فإستبدلوا ( الكراكة ) ب (ونش)، وتم ربط بدن التمثال برفق شديد! ... ثم تم إخراجه بطريقة مهذبة، فى ظل متابعة العديد من المسؤلين الذين أعطونا إحساس بأنهم يرفعونه بقلوبهم! ... أو أننا أمام حالة ولادة لولى عهد جديد! ... فإستقبلوه بالشاش والقطن ووو الحفضات والبامبرز !!.    

     أين كانت هذه الطريقة للتعامل من قبل؟! ... ولماذا لم تتغير إلا تحت ضغط الإعلام؟! ... هل إعترف أحد بالأخطاء المرتكبة فى الحالة الأولى ؟! ... بالطبع لا !!.

     ماتت الأم ويموت غيرها الكثير ... وأهين التمثال ... ويهان العديد من البشر ...  نتيجة تقصير أوإهمال من المسئولين ... ولا علاقة لكونداليزا رايس بالأمر من قريب أو من بعيد !.

التعليقات