عِمَارة واللّي منها

عِمَارة واللّي منها
"العمارة ليست مجرد مأوى فحسب، بل هي تعبير حيّ عن وجدان الإنسان وتحقيق لرغباته في الإنتماء وميله الغريزي إلى التواصل الاجتماعي. إن علينا أن نتفهم مكان ودور العمارة في حركة تطور الحضارة الإنسانية وأن نعترف بأن العمارة تشمل الإنسان والتقنية" حسن فتحي
منذ فترة وجّهت سؤالاً لبعض الأصدقاء عن أهمية العمارة بالنسبة لهم، منهم الطلاب ومنهم من تخرج حديثاً والآخرين بدأوا في شق طريقهم في العمل في هذا المجال؛ جاءت الإجابات متنوعة ما بين وصف للإرهاق البدني والنفسي في فترة الدراسة أو الحنين إليها ... إلخ. لكن جميعها اتفقت على أهمية العمارة في حياة كلٍّ منّا.
لإلقاء نظرة مفصلّة للعمارة أجريت حديثاً مع أحد مُعيدي القسم المعماري في جامعتي وللأسف لم يحظ لي التعامل معه إلا قليلاً، ونظراً لخبرته المعمارية سواء داخل مصر أو خارجها استطاع أن يلخص بعض النقاط الأساسية للتعرف أكثر على العمارة.
العمارة وتأثيرها على حياة المعماري:
كبداية؛ أثناء الدراسة كان الفرق واضحاً بين طلاب القسم المعماري وباقي الأقسام الهندسية؛ من ناحية الإيمان بالعمل المعماري وأهميته وتحمل الطالب للإرهاق وتغيّر مبدأ التعامل مع الليل والنهار حتى يخرج الناتج النهائي للعمل مُرضي لنفس الطالب أولاً ومتكاملاً بأكبر قدر ممكن، ملماً بجميع القواعد والمعايير التصميمية والبيئية.
ثانياً العمارة كمنهج تعليمي تُضيف لدارسيها طبقة مهولة من المعرفة والتي لا تتوقف بانتهاء فترة الجامعة بل يظل المعماري شغوفاً بأي معلومة معمارية جديدة لباقي حياته.
كما أن دراسة العمارة كفن وإبداع تُضفي تأثيراً خاصاً على تذوق المعماري للحياة عامةً،حيثأن أكثر فترة للتعرض للمشاكل الحياتية هي فترة الدراسة فالمرحلة العمرية التي يمر بها الدارس هي أكثر المراحل استقبالاً للتعديلات الذاتية ويكون تأثير أي مشكلة وطريقة التوصل لحلها هو ما له أكبر الأثر في النفس فيختلف بالتالي التأثير من شخص لآخر في هذا المجال وهو ما يؤثرلاحقاً في مجال العمل ويؤثر كذلك في نظرة المعماري للأمور الحياتية.
هل هناك فرق بين تدريس العمارة في مصر والبلاد الأجنبية؟!
بالتأكيد يوجد فرق لكنه يخالف ما يتبادر إلى الأذهان.
الفارق الأول:كنظام تعليمي في الخارج، فهو يميل إلى الجدية أكثر خاصةً في حالة الكليات ذات التقديم المتنافس عليه بنسبة كبيرة.
الفارق الثاني: يتلخص في اعتماد شريحة الدارسين على أنفسهم بشكل كامل تقريباً سواء على المستوى الشخصي أو المهني وهو ما يفيد الشخص أثناء دراسته خاصة في حرية التنقل وسهولته والسفر من بلد لأخرى كما أن النظام الجامعي في البلاد الأوروبية يتيح دراسياً ومادياً للدارس فرصة الانتقال إلى جامعة أخرى في بلد مختلفة لمدة لا تقل عن فصل دراسي كامل وهو ما يؤثر بنسبة كبيرة جداً على التفكير المعماري للدارس سواء بسبب التعامل مع متخصصين آخرين بعقليات مختلفة ومناهج دراسية مختلفة، أو بسبب التواجد في بلد أخرى والتعرف على المعالم التاريخية والمعمارية بها.
الفارق الثالث: هو الموارد العلمية والمكتبات العادية والرقمية الزخمة بالأبحاث والكتب الموثقة بالمصادر التي تجذب بدورها الدارس فيستمر في بحثه في مصادر تلو المصادر وتتكون لديه خلفية علمية معمارية قيّمة.
أما الفارق الأخير هو: مباديء تعيين المسؤول عن التدريس المعماري، فإن حجر الأساس لتعيين متخصص لهذا الشأن هو الممارسات والأبحاث والمشاريع المُحَققة الممولة داخلياً وخارجياً وهنا يبدأ النظر في التعيين.
لماذا أصبح الاعتماد على المنهج الوظيفي هو أساس العمارة المصرية؟
المشكلة الأساسية ليست مشكلة مصرية بحتة بل إن المشكلة تكمن ببساطة في سوق البناء والخط المادي الفاصل بين الإسكان الرسمي الممنهج وهو خاص بفئة أصحاب الأراضي والمطورين العقاريين وبين الإسكان غير الرسمي أو العشوائيات وهو الفئة الغالبة.
بالتالي فإن الفئة الغالبة للسوق هي الفئة غير المهتمة بأي شيء سوى المأوى وبناؤه والحصول عليه بأسرع وقت ممكن ونظراً للرشاوي والترضيات التي يتم دفعها حتى تصدر رخصة البناء والتغاضي كذلك عن المخالفات القانونية، فإن المستخدم لا يهتم بنسب ولا مساحات المبنى ولا بأسس تحقيق الراحة في المبنى وبالتالي فهو لا يعير معايير الجمال اهتماماً ولا يُلقي له بالاً.
أما بالنسبة للفئة الأخرى فهي بنسبة كبيرة لا تستطيع التوصل لحلول لمشكلة العشوائيات لسببين؛ أولهما الرغبة في تحقيق الربح المادي نظراً لأنها فئة مستثمرة بما فيها القطاع الحكومي، ثانيهما محاولة مواكبة الطلب السكني المتزايد سنوياً وإنشاء مساكن وطرق فقط لتلبية الحاجة وتحقيق هدف الإسكان والتخلص من العجز دون التفكير في مراعاة أسس التصميم المعماري نظراً لضيق الوقت.
المشكلة الحقيقية التي تسببت في كل هذا هو خروج مصر من دائرة الزمن وانغلاقها على نفسها بخلاف ما كانت عليه سابقاً حيث كانت تُقام قديماً مسابقات لتصميم المباني السكنية وتتنوع فيها الأيدي المعمارية من جميع الجنسيات منهم المعماريين المصريين.
أخيراً فإن حل المشكلة المعمارية في مصر يتلخص في ثلاث نقاط رئيسية:
"تعديل نظام التعديل والتعيين، تضييق الفجوة بين العرض والطلب على الإسكان وتحقق مبدأ الرفاهية لدى الشعب حتى يستطيعون تحقيق الجمال وتذوقه في أنفسهم أولاً فينعكس ذلك على العمارة".
التعليقات