هارب الى الحقيقة

هارب الى الحقيقة

 

 
ها هنا يمكن ان ترى الوجود جميلا ... ها هنا يمكن ان ترتقى وترتفع فوق ذلك العالم المغشوش الى حيث العالم المعقول ... نعم هنا ... وهنا فقط بعيدا عن عالم مخادع ... كاذب ومراوغ ... تشوبه علاقات مشوهة فى كل صورها ... نعم هنا بين الزراعات الكثيفة والظلام الحالك يمكنك ان ترى الوجود جميلا ... هنا حيث النجوم تتحدث فى صمت بليغ بلغات لا يفهمها الا قليل من اهل الارض ... فإنغماسنا فى هموم تلك الدنيا الفانية كان عائقا دون بلوغ الحقيقة.
هكذا ... وذات ليلة ظلماء ... جلس صاحب تلك السطور المتواضعة ... وقد ارسل بطرف بصره الى السماء ... ليخلص بذاته من عالم الارض والبلاء ... ويدعوها ان تكشف النقاب عن سر جمالها ... وصدق صفوها ... حتى ان سحره بريقها ... فيأبى فراقها ... ويعتلى جواد فكره الجامح ... ليأخذه فى لمح البصر الى هناك ... حيث الهدوء والسكينة ... فيطمئن قلبه ... ويهدأ باله ... ويأخذ شهيقا ليملأ رئتيه بهواء لم تلوثه اقذار الارض واثام البشر ... ثم يخرجه فى هدوء الملائكة ... وقد ايقن انه وضع قدمه على اول طريق اليقين ... طريق الحقيقة.
وبينما هو هناك ... ينعم بدفئ الحقيقة الامنة ... فإذا بصوت ضحكات ساخرة ... يتسلل الى اذنيه ... يعكر عليه صفوه ... يفسد عليه خياله ... فيظن انه لكائن مثله ... يعانى معاناته ... يقتل صرخاته بضحكاته ... فيتجه صوب ذلك الصوت ... وينادى:
# تعالى يا صديقى ... وأصغ الى اعلان السماء ... تنادى كل انسان لبيب ... وعقل رشيد ... وتدعوه ان ينسحب من هناك ... من حيث الزمان الهالك ... والامل الخائب ... والسعى المردود ... والطريق المسدود ... الى حيث الزمان الخالد ... والأمل الصائب ... والسعى المشكور ... والطريق المنير ... الى هنا ... حيث الجمال لذاته ... وحيث الخير لذاته يدعوك ان تضع قدمك على اول طريق اليقين طريق الحقيقة.

 

@ هون عليك يا صديقى ... اراك استسلمت لخيالك ... وإنسحبت من واقعك ... واخفقت فى مقاومة عثرات الزمان ... ولطمات القدر ... وما اراك الان الا مخلوقا ضعيفا ... ومحاربا مهزوما ... خارت قواه ... وفر حاملا سيفه فى يده ... نعم ... يا لها من هزيمة منكرة ... لو كنت اعزل لمنحتك عذرا ... انسيت يا صديقى ان (ان حكمتنا خير وابقى من قوة الرجال والخيل)؟
#لم يكن خصمى رجال او خيل ... او حتى بركان او سيل ... بل لم يكن خصمى ليترائى لى حتى ابارزه ... لأجهز عليه او ينال منى ... بل لم اجد نفسى حتى فى ميدان معركة ... او نزال اعداء ... او مبارزة شرفاء.
# ما انا فيه يا صديقى ... شئ اشبه بكابوس لعين ... يعجز لسانى عن وصفه ... ولا يسع خيالى تصوره ... شئ ... لم اسمع به من قبل ... ولم اقرأ عنه ... وما خطر لى يوما على بال ... ارى نفسى وكأننى قادم من كوكب اخر ... مخلوقا متمردا ... لا يعجبه حاله ... ولا يرضى عما فى نفسه ... وكان فى حالة نزاع دائم معها ... تارة يتغلب عليها ... واخرى يكون لها الغلبة التى لا تلبث ان تزول ... ثم القى به القدر على تلك الارض ... ليرى ويسمع اشاكلا واصواتا ... تبدو لأول وهلة فى ابهى صورة ... واروع الحانا ... وفجأة تتبدل الاحوال ... وتتغير الاشكال ...ليبدو شيئا من الحقيقة المرعبة ... حيث الوجوه الغاضبة ... والقلوب الحاقدة ... والعيون الحاسدة ... والاصوات المفزعة ... والافعال المروعة ...التى لم يكن له بها سابق علم او معرفة ... عالم فى تغير دائم لا يعرف الثبات ... بل ان شئت قل ... ان التغير هو الشئ الوحيد الثابت ... فى ذلك العالم الذى يملأه الوهم والضلال ... فلما افاق ... وجد نفسه ها هنا ... حيث الثبات الصادق ... والحقيقة الامنةز
# فلم يكن ذلك انسحابا او هزيمة ... بل إنتصار للحكمة ... للعقل ... للجمال والحقيقة ... فما كنت ابغى ملكا او جاه ... ولا ناقة او شاه ... نعم يا صديقى ... ما عندهم ليس لى ... وما ابغيه لا يملكونه ... إذن يتساوى النصر مع الهزيمة ...فلما الحرب إذن؟.
@ لا حرمك الله من الحكمة ... انما النصر او الهزيمة يرتبطان بدافع الحرب اولا ... فالحرب إما ان تكون للدفاع عما نملك ... او لامتلاك مالا نملك ... والاولى اولاهما واشرفهما ...وما الحرب التى اريدك لها إلا حرب من ذلك النوع الاول ... تدافع فيها عن قيمك ومبادئك ... فالحق والخير والجمال والفضيلة و.... قيم رفيعة لا تموت كما تصورت ... ولكنها فقط قد تمر بفترات من الضعف عندما يشتد الطغيان ... وتتهاوى الفرسان ... لكنها لا تموت ... ولن تموت او تزول ... تعالى معى ... وضع يدك فى يدى ... لنحارب سويا ... وثق تماما ان النصر لنا ... نعم ... إن النصر لنا ... النصر لنا.
# تكلمنى عن الحكمة! وتريد أن نخوض حربا بلا عتاد أو عدة!
بالله عليك أى حكمة فى ذلك! ألا يكفيك ما لحقنى منهم حتى .....
@ عتادنا شدة بأسنا وصبرنا، وسلاحنا الحكمة.
# الحكمة الحكمة الحكمة! أى حكمة؟ إن الحكمة تكون سلاحا عندما نجد من يسمع، لكننا ذاعبون إلى قوم لا يسمع، وإن سمع لا يقنع، وإن قنع لا يخضع، وإن خضع لا يؤتمن، نعم لا يؤتمن ... وكيف يؤتمن .. آآآه .. وميف يؤتمن؟
ثق يا صديقى أننا فى آخر الزمان، حيث تهاوت العقول، وإندثرت تحت جبال الظلم والطغيان، والجهل والفجور والعصيان، فلا سلام ولا أمان، من اليوم وحتى ينتهى الزمان.
@ تلك هى دنيانا، وذلك هو واقعنا،وهؤلاء إنما هم بنوا جنسنا،منهم أتينا، وفى كنفهم تربينا،
وعندما وعينا، تأتى بنا إلى هنا، ننشد عالما مثاليا، يعيش هناك، حيث لا ندرى ولا نعلم! أليس كذلك؟
# كلا يا صديقى ليس كذلك، فدنياكم وهم، وواقعكم وهم، حتى المُثل كذلك وهم، ألم يولد النور موت الظلام، ويولد الظلام موت النور، وكذلك الخيروالشر، وأيضا الفضيلة والرذيلة ... ؟ فالموت سابق ولاحق لكل شئ .. لكل فعل وكل حركة، لتبقى حقيقة واحدة، هى الموت ... الموت .. الموت فقط هو اليقين .. هو الحقيقة.
أفلم تكن تلك الحقيقة مرعبة؟ ألم تكن أشد فزعا من الدنيا والواقع والمُثل؟
أجبنى
أجبنى يا صديقى .. ايهما أشد وأصعب .. الوهم أم الحقيقة
إننى إخترت الحقيقة بكل آلامها .. وصعاب شتى فى طريقها ..
فتلك هى القوة .. وما الضعف إلا البقاء هناك .. فى دنياكم وواقعكم .. فى عبثكم ولهوكم.
@ الموت يأتى إلينا ولا نسعى إليه .. والحقيقة إنما ندركها كلها بعد الموت
إلا أن جزءا منها ها هنا .. بين أيدينا .. هو أنا وأنت .. وأشياء كثيرة من حولنا
فإذا عجزنا عن إدراك الجزء .. فما بالن بالكل؟!
فالتعلم أن لجنس الحقيقة الكلية - بعد الموت - نوعان، جحيم .. ونعيم، ولجنس الحقيقة الجزئية - ها هنا فى الدنيا - كذلك نوعان، بله .. وحكمة، أو جهل .. وعلم، فاليذهب الجهل إلى الجحيم
فاليذهب إلى الجحيم ... إلى الجحيم.
# فالتسع وا أنتم صوب تلك الحقيقة لعلكم تدركوها، وما أظنكم بمدركيها
فالجحيم لكم فى دنياكم وأخراكم ... إننى علمت فإحتكمت
وأنتم جهلتم فضللتم
فأتى معى أو لا تأتى .....
@ لن آت ولن تنتظر .. فعدونا يشطاط غضبا .. ويحصدهم حصيدا .. لا يبقى ولا يذر
يا صديقى إننى لست معهم .. وإن كنت منهم
وكذلك أنت .. إلا أننى مشفق عليهم .. وما أردت إلا أن نكونا عونا لهم .. نرشدهم ونهديهم ما إستطعنا
ذلك هو ما تقتضيه الحكمة .. وذلك هو حقهم علينا ..
نعم قد نكون فى آخر الزمان .. ولكن يجب أن تكون تلك النهاية لنا لا علينا .. نملكها لا تملكنا
فلا ندخر جهدا فى سبيل تحقيق غايتنا
وإن لم نثبت لهم لهلكوا وهلكنا .. ولن تكون العاقبة لنا .. بل علينا.
# لطفا يا صديقى .. فليس الأمر كله بيدى
ألا تراه إن عربت منه يقتفى أثرى .. يطاردنى ويلاحقنى فى كل مكان .. وينادى بأعلى صوته: يا من تزعم أنك تبحث عن اليقين وتنشد الحقيقة.. لقد ضللت الطريق .. كف عن هذا وعد إلىَ..فأنا اليقين .. أنا الحقيقة .. فإن لم تأتى فإنى مدركك لامحالة .. إن عاجلا أو آجلا .. وطوعا منك أو كرها
فكيف لى أن أهرب من تلك الحقيقة؟
@ بل أريدك أن تهرب إلى الحقيقة
فما دمنا مدركون لا محالة .. فى قوتنا أو ضعفنا .. فالنظل أقوياء خير وأبقى
يا صديقى لولا الوهم ما كانت الحقيقة
ولولا الحياة ما كان الموت
فثق أن فى الوهم حقيقة .. هى إدراكنا ما الوهم وما الحقيقة
وكذلك فى الحياة موت .. يدب فينا .. فى أحشاءنا .. فى ذهابنا وإيابنا .. فى يقظتنا وفى نومنا .. لم يفارقنا لحظة ..
فالنذهب لنفصل القول .. ونقيم العدل .. ونزيل الغيم
ونطهر العقول من اللبس .. والقلوب من الدنس
ونرفع راية الحق عالية فى السماء .. خفٌاقة ترفرف فى ثقة وكبرياء .. لتكون نجما بازغا .. وقمرا ساطعا.. يضيئ الأرض من بعيد .. ويكسوها بثوب جديد ..
فى ربوع الأرض خيرا كثيرا .. وفى السماء .. فالنبلغه
فى قلوب الخلق شرا دفينا .. وبلاء .. فالنقتله
وعلى جبين الدهر هما كئيبا .. وشقاء .. فالنبدله
# ليتك لم تصحوا
@ بل ليتك لم تنم!
# أأأ ألست معى أن الحقيقة هنا؟!
@ بلى .. وهنا أيضا !
# أتخالفنى إن قلت إن الحقيقة واحدة؟
@ بل أخالفك إن قلت أنها متعددة
# إذن ... ف ف فكيف أن تكون هنا .. وهنا أيضا؟!
@ أنظر إلينا .. أنا .. وأنت
# أنا وانت واحد!
@ وووووووووووووووووو وتلك هى الحقيقة يا صديقى !!!!!!!!!
#@
يا ويلااااااااااااااه
ليس لى حق فى راحة البال، أو هدوء الحال ..
فإننى أفكر .. وهذا هو دائى .. وهو الداء الذى لا شفاء منه إلا فى حالتين .. الجنون .. أو الموت
فالنفكر إذن حتى أحدهما
ما أصعب تلك النهاية .. نهاية الطريق .. وأصعب منها وحشة الطريق
فالنبتغى قبس من نور ... بل ... لا .... لانبتغى شئ
ولنستأنف السير دون خوف أو فزع
فالنهاية معروفة ومحسومة سلفا
لن يفيد الخوف إذن
فالجنون موت .. والموت مراوغ .. ثابت فى غايته .. ولكنه متعدد الوجوه والأشكال
لا يختلف فى ذلك عن مخلوقات الدنيا الباهتة.
هكذا هى الدنيا ... صراع حت الموت .... أو موت حتى الموت ...فالصراع مرادف الحياة .... والحياة موت مؤقت .. . والموت حياة أبدية .... هذا فى ذاك .... خضم هائل من الأفكار .... وأمواج متلاطمة من المعتقدات.... وزمان يحمل فى طياته كل المتناقضات .....وكل يرى نفسه متربعا على عرش الحكمة .... التى ليس لها مكان على تلك الأرض ....... كلمات وكلمات ..... أهازيج وإنفعالات ...... أقاويل ومؤلفات ....
تعددت الحقائق ...... وتفرعت الطرقات ..... وضاع الهدف ......وكان قبل أن يضيع ....
غير موجود .. غير موجود .. غير......موجووووووووو ........
هارب إلى الحقيقة.
 
التعليقات