أندلس كل عصر

أندلس كل عصر
"فلتبك كالنساء مُلكاً لم تدافع عنه كالرجال"
هكذا صاحت عائشة الحرة فى ابنها أبو عبد الله أمير غرناطة؛ حين بكا يوم تسليمها للأسبان إثر سقوطها، ويوم انطوت أعظم أمجاد المسلمين واندثرت ثمانية قرون ونيفاً من المجد، أكثر مِن ثُلثي التاريخ الأسلامي.
تقرأ هذا التاريخ وكأنك تقرأ المستقبل، أقصد تحديداً كأنك تقرأ الحاضر.
ليجعل الله سنته فى تغير الأمم مِن نواميس الكون وما يشذ إلا القليل، تتعاقب فى تماثل وبذات المأسي والمحن.
سقطت الأندلس يوم أصاب شمل المسلمين الهشاشة وضلوا سبيلهم للوحدة وأنقسمو لرقاع .
كلا فى رقعته هم كانوا "ملوك الطوائف" أنذاك واليوم ايضاً، نحي ذكراهم ليس بالبكاء والتحسر إنما بإحياء فصول التاريخ بسياستهم وأيدلوجيتهم .
كان نهاية الوجود العربي فى الأندلس لأنعدم الوحدة فى النضال العربي؛ يذكرالتاريخ على ذالك إنه وقع عداء أنذاك بين أمير مرسية " ابن هود"، و"المأمون الموحدى" أمير بلنسية، فذهب ابن هود يتحالف مع ملك قشتالة النصراني ضده؛ فى مقابل أن يتنازل فى نظير ذلك عن عدد من القواعد والحصون وأن يتعهد بمنح النصارى فى أرضه بعض الإمتيازات .
أترى يسكت أمير بلنسية عن هذا!. كلا بل ذهب هو أيضاً بالاستغاثة بملك " أرجوان" الذى يحسبهم أعداءاً لهم وتعهد له بأداء الجزية، الشعب هنا سخط عليه من أجل ذلك، ففر والتجاء إلى ملك أراجون واعتنق النصرانية!
فكم من أمراء اليوم اعتنقوا دين أعداءهم!
" غرناطة " كانت دمشق بلاد الأندلس واليوم "دمشق" هى غرناطة  بذاتها، فلكِ الله يا سوريا!
لكِ الله من أعداءك، ولكِ الله لمَن يُبطنون لكِ العداوة ونحسبهم غير ذلك !
هذا التفكك الذى كان وتخاذل السلاطين والممالك الأسلامية، كان من أكبر العوامل التى ساعدت الأسبان على القضاء على الوجود العربى بمحاكم التفتيش والتعذيب؛ والتى وصلت عدد ضحايها لأكثر من 60 ألف مسلم فى يومٍ واحد كما حدث فى مأساة بلنسية، والقضاء على كل المورسكيون وهم المسلمون الذين يظهرون النصرانية ويبطنوا الاسلام.
لكن الأسبان لم يدركوا أنهم يقتلون الأوزة التى تبيض الذهب _على حسب تعبير ستانلي بول_ فالأندلس بقيت قروناً طويلة مركز الحضارة والمدنية ومنبع الفنون والتى لم تصل أى مملكة من أوربا إلى ما وصلت إليه الاندلس. 
سقطت الأندلس وظلت زعامتها الفكرية والمدنية حاضرة، ظلت غالبة وليست مغلوبة، ظلت شاخصة بين قاهريها إلى الأن !
لا أظن أن حضارة أسلامية بقدر هذا الزهو قد تتكرر بذات النضال والعزيمة، إن فى أطلال قرطبة، وإشبيلية، وغرناطة، وفى شجاعة الطارق وعبد الرحمن الداخل، والناصر، وأبو بكر اللمتوني وغيرهم من الأبطال الذين رفعوا رايات المجد التى أنطوت على يدى خونة وتكالب الطامعين لأكبر عظة لمن يُبصر! 
فـ" يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها"
أفلم يئن لنا أن ندرك عاقبة الذين كانوا من قبلنا حتى لا يجمعنا ذات المصير المحتوم؛ ألم يئن لنا أن يحافظ كلا منا على أندلسه الخاصة كي لا تسقط يوماً لأننا لم ندافع عنها كالرجال!
التعليقات