أحزان ثقافية.. حصاد العام

أحزان ثقافية.. حصاد العام

قريبةٌ بعض الأيام من القلب، منها ما نحبه كأصدقائنا، ومنها ما يُشبه صوت الحبيبة عندما تنادي حبيبها بدلال، هناك دقائق وساعات مرَّتْ كضحكة مولودة توًّا على شفتي طفلٍ صغير، ومنها ما لا نحب سيرته، نكرهه كراهيتنا للفراق والدمع والوداع، وكل المصطلحات المُوجعة والمؤلمة، بعض الأيام يُنسى مثل موتى أكل التراب سيرتهم وأفناهم تماما، أُدرك قيمة أن يضع الكاتب إدواردوغاليانو  عنوانا لأحد كتبه الفارقة باسم "أبناء الأيام" أو "أفواه الزمن" مع اختلاف الترجمة.

هل تلد الأيام حقًا أحزاننا وأفراحنا؟

هل الأحداث التي تمر حولنا هي أبناء لتلك الأيام التي تذهب من غير رجعة؟

في نهاية كل عام تعترك الأسئلة في ساحة القلب حتى صار ديسمبر شهر ا مليئا بالعديد من علامات الاستفهام، اثنا عشر شهرا مرت، ولدت أيامُها ما يَثقلُ على النفس الحديث عنها، في الحقل الثقافي وجع، وفي السياسة ما يُؤلم، وهزائم الوطن أكبر من أن تُعد، أما  عن الذات فحدِّث ولا حرج.

من الممكن أن يبدأ كشف حساب العام من نهايته، حيث الجوائز التي تجعل بعض الأعمال الأدبية يطفو على السطح رغم أنها كانت متاحة ومتوفرة لكن زحام الأكثر رواجا يطغى على الجيد، في يوم 11 ديسمبر أُعلنت جائزة نجيب محفوظ في يوم مولده، حاز الجائزة الروائي عادل عصمت عن روايته "حكايات يوسف تادرس" تلك الرواية التي صنعها الكاتب باقتدار ويبدو أنها كُتبت على نار هادئة وبمهل، يغوص في نفس بطلها يوسف الفنان المغترب داخل وطنه، يطرح الكاتب من خلالها هموم المُبدع والفنان بشكل عام في أحد أقاليم مصر بعيدا عن صخب عاصمتها، الرواية صدرت عن دار الكتب خان في العام 2015.

 ما زال الأدب الخليجي يعبر إلى مصر ممثلا في صوت الكاتب الكويتي سعود السنعوسي صاحب رواية ساق البامبو التي حازت على جائزة البوكر عام      2013، في هذا العام وصلت روايته "فئران أمي حصة" للقائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد لشباب الكُتاب،وفي فرع كبار الكُتابترشح الروائي الكويتي إسماعيل فهد إسماعيل لجائزة الآداب عن روايته "الظهور الثاني لابن لعبون".

 أما عن الأدب الأفريقي فبعد رواية "شوق الدرويش" للسوداني حمّور زيادة التي حققت رضا النقاد والقراء لم تظهر على السطح سوى رواية "لُعبة المغزل" للكاتب الأرتري حجّي جابر التي وصلت أيضا للقائمة الطويلة للشيخ زايد، كان لحجي رواية رائعة سابقة لهذه بعنوان "مَرسَى فاطمة" آية في العذوبة والجمال، أما الكاتب السوداني الكبير أمير تاج السر فقد وصلت روايته "منتجعالساحرات"،والصادرةعندار "الساقي" للنشر،إلىالقائمةالطويلةلجائزةالشيخزايدللكتاب.

في مصر تواصل روايات الكاتبين محمد صادق وأحمد مراد على هشاشتها تصدر المبيعات في حين تزاحمها أعمال الكاتب يوسف زيدان مثيرة الجدل حول الشهرة التي تجعل القُرّاء يتقبلون أي شيء من الكاتب مهما تهافت، وسط هذه الأمواج التي تعلو وتهبط، تُطل بعض الروايات التي تحاول أن تحتل مكانا في السرد العربي، لتظل مكانتها كبيرة لسنوات ممتدة منها رواية الكاتب المصري "محمد عبد النبي" "في غُرفة العنكبوت"، رواية شائكة تتعرض لموضوع مسكوت عنه وهو المثلية الجنسية، من خلال القضية الشهيرة "الكوين بوت" التي حدثت عام 2001، تتشابك أوراق أبطالها مع الأحداث التي جرت في الخمس عشرة سنة الماضية.

لا يمكن بكل حال استقصاء كل ما صدر في هذا العام  أو صدر قبل ذلك وطفا هذه الأيام؛ وذلك لكثرة المنتج لكن تبقى هناك علامات على أن العام رغم أنه لم يخل كالعادة من الخيبات، فعلى استمرار الصراعات في اتحاد الكُتاب لكن تبقى المقاهي الثقافية دالة على الحراك الثقافي بعيدا عن المؤسسات الرسمية.

في رفوف المكتبات كانت رواية المستشار أشرف العشماوي الجديدة "تذكرة وحيدة للقاهرة" معبرة عن جدة في الكتابة التي تحقق انتشارا بين شريحة القراء  مع احترام لقواعد لُعبة الكتابة.

أصبحت جائزة البوكر لا تأتي إلا بمتاعب الخلاف والجدال فحصول الكاتب الفلسطيني ربعي المدهون عليها هذا العام عن روايته "مصائر كونشرتو الهولوكوست والنكبة" أثار جدلا واسعا حول قيمة الرواية الفنية.

واصلت رواية "عطارد" زحفها لتصل إلى القائمة القصيرة للبوكر، وأيضا القائمة نفسها لجائزة ساويرس منذ بضعة أيام.

ما زالت القصة القصيرة بخير، فقد صدرت عدة مجموعات قصصية تستحق الحفاوة منها مجموعة "الطفل الذي طار على جناح فراشة" للكاتب المصري خالد عبد العزيز  وهي عمله الأول، ومجموعة "عسل نون" للكاتب المصري أيضا محمد رفيع وقد وصلت للقائمة القصيرة لجائزة المُلتقى في الكويت، والمجموعتان صدرتا عن دار روافد، في مصر أيضا يواصل الكاتب شريف صالح تألقه بإصدار مجموعة قصصية جديدة بعنوان "دفتر النائم" تنضم إلى أعماله القصصية االرائعةلسابقة، وفي تلك الأيام تبزغ أُولى روايته "حارس الفيس بوك" الصادر عن الدار المصرية اللبنانية.

لا ننسى في خضم الأحداث الثقافية أن نشيد بالمجموعة القصصية "خطأ النادل" للكاتب الفلسطيني زياد جدَّاش، ومجموعته "أسباب رائعة للبكاء".

يواصل الكاتب إيهاب الملاح مشاغباته مع الكُتب من خلال مقاله الممتع في جريدة الشروق، كما تظل صفحة الفيس بوك للكاتب والناقد السينمائي والأدبي محمود عبد الشكور مرجع لكل محب للفن بشكل عام بجانب مقاله المهم في جريدة الشروق.

تحية لكل الذين أصدروا أعمالا أدبية جميلة لا يمكن إغفال الرواية الجميلة "صك الغفران" للكاتب المصري إيهاب مصطفى الصادرة  عن دار إبداع، والروائي المُحنّك ماجد شيحة وروايته "درب الأربعين" الصادر عن الدار المصرية اللبنانية بداية هذا العام، وأيضا الكاتب الكبيروحيد الطويلة وروايته "حذاء فليني " الصادرة عن منشورات المتوسط، والكتاب الأجمل "رحلة يوسف" للكاتب سامح فايز الصادر عن دار الكرمة، كما صدر للكاتب والمترجم يوسف نبيل أعمال عديدة هذا العام منها رواية " كلمات يونس الأخيرة" وكتاب "اللغز.. موجز تاريخ علم النفس" ، وصدر له كتاب مترجم بعنوان "عن العصيان" للكاتب إريش فروم، والكتب جميعها أصدرتها دار روافد، وفي الشعر إشادة عظيمة واجبة للشاعر "عبد الرحمن مقلد" وديوانه "مساكين يعملون في البحر" الذي صدر نهاية هذا العام عن الهيئة العامة لقصور الثقافة.

تحية للنُقاد القابضين على الجمر ودورهم الكبير  بداية من الشاعر والناقد محمد علي العزب الحائز  على جائزةنقد شعر العامية في جائزة أحمد فؤاد  التي ترعاها مؤسسة ساويرس، مرورا بالدكتورة هويدا صالح والدكتور سيد ضيف الله والدكتور أحمد الصغير وآخرين..

لا يمر العام إلا ويجب توجيه الشكر للكاتب إبراهيم عادل على مجهوداته في نبش سوق الكتب وإظهار الجيد منها وأيضا الكتابة عنها والتبشير بها وبأصحابها، تُخفف الأحزان بوجود كل هؤلاء على الساحة الثقافية ولا يمكن أن نغفل كتابات عمر طاهر  الذي أنهى عام 2015 بكاتبه الجميل "إذاعة الأغاني"، وأنهى 2016 بكتاب "صنايعية مصر" يصر عمر  ألا ينتهي العام بتراكم الأحزان وأن يطلق البهجة من مكمنها رغم اشتداد الحصار عليها، في المنفى يؤدي بلال فضل دوره الكبير من خلال برنامجه الأسبوعي  ”عصير الكتب "على قناة التلفزيون العربي.

ينتهي العام، نُودعه، وككل عام نأمل بأن القادم يكون أقل حزنا، وأخف وطأة.

التعليقات