«داعش» في السجون

«داعش» في السجون

 

يقول الإمام أحمد بن حنبل: "السجن ليس مكانا ضيقا، وإنما هو تعويق الشخص ومنعه من التصرف بنفسه، سواء كان في بيت أو مسجد"، فهو تقييد لفترة زمنية محددة، يتم تأهيله خلالها إلى التأقلم مع المجتمع .

وتأهيل السجناء وإعادتهم للمجتمع هو الهدف الأول من السجن، فيوجد في سجن كوبنهجن أماكن آدمية ومعاملات إنسانية للنزلاء، حيث توفر إدارة السجن وسائل للترفيه "تلفزيون، صحف، ممارسة رياضة"، وتأدية الشعائر الدينية، لدرجة أن كل سجين يحمل مفتاح زنزانته.

وفي سجن "هالدن" بالنرويج، يحق للسجين التدريب المهني لأي مهنة يريد أن يختارها، لتعود في النهاية بالنفع مع المجتمع، وتعتمد  النرويج في سياستها على توفير مجتمع سليم داخل السجن يبعد النزلاء عن التفكير الإجرامي قدر المستطاع، ويمهد لإعادتهم للمجتمع العادي.

 (1)

تحولت أحلامه إلى كابوس بين عشية وضحاها، بعد أن قطع شوطا في مسيرته الحياتيه واجتاز الثانوية العامة بتفوق والتحق بأحدى  كليات "القمة"، لكن الحلم لم يكمل، والآن يقبع بين حوائظ الزنزانة، يقضي عقوبة الحبس لمدة 10 سنوات.

دائما ما يحدثني صديقي عن صديقه المتهم بالتعدي على منشآت الدولة والقيام بأعمال شغب وتخريب، "مميزاته وذكائه، طوحه ..... وأنه مظلوما إلى غير ذلك"، وبعد فترة انقطاع عن الحديث عنه، دامت لأشهر لإنشغال كلا منا بالظروف الحياتية أو لأسباب ما، فوجئت في أحد المرات، إن صديقي يخبرني إن صديقه قد أصابه وباء خطير "تدعشن" ، لقد أصبح فكره ملوثا بالأفكار التكفيرية وحديثه يميل إلى الدواعش، فقلت كيف ذلك .. وأين أنت؟ لم لك من دور تربوي وفكري في مواجهة تلك الأفكار، قال أحاول شيئا فشيئا لإرجاعه عما هو فيه.

 القضية الأخطر التي تواجه السجناء من الشباب في غياهب الزنازين إنتشار الفكر التكفيري، بين أفراد السجن ولا يستطيع شابا في هذا العمر، الذي لم يتجاوز العشرون، أن يجابه فكر التكفريين داخل الزنزانة وما عليه إلا أن يقتنع بكلامهم الذي يتلى أمامه آناء الليل وأطراف النهار ، والمثل الشعيي يقول "الذن على الودان أقوى من السحر".

(2)

تصادف وجودي في يوم الأجازة، وصول أحد الشباب المقبوض عليهم في قضية سياسية، بعد إنقضاء فترة حبسه التي استمرت 3 سنوات.

في وقت متأخر من الليل الساعة الثانية والنصف صباحا، استقبل شباب المنطقة قرينهم  الخارج من السجن،  بإطلاق الصوارايخ والألعاب النارية و "كلاكسات" السيارات، كانه يوم عرس أو زفاف . 

 الحفاوة والفرحة والزغاريد  التي رأيتها  في عيون أهالي منطقة الشاب، تحيل تلك المشاهد من أن يكون صاحب هذه الاحتفالية  إرهابيا أو يحمل عداءا للدولة، قد يكون مخطئا في لحظة ما، لكن لايصل هذا الخطأ إلى حرمانه لمدة 3 سنوات ويزيد بعيدا عن أهله وأصدقائه، وإيداعه وسط مجتمع ممزوج بين الإنحراف الفكري والإخلاقي .

 (3)

في زيارة إلى سجن ليمان طره، شارك قيادة أزهرية على صلة قريبة مني، في القوافل الدعوية التي يرسلها الأزهر الشريف إلى السجون، وسرد لي قصة شابا في بداية العقد الثالث من عمره، يدرس بالفرقة الثانية كلية الشريعة وقانون، محكوما عليه بالسجن 15 عاما و5 سنوات متابعة "يذهب للقسم التابع له للتوقيع ورصد تحركاته" مقبوض عليه في أحداث مظاهرات 6 أكتوبر الشهيرة.

يعيش الشاب في السجن مع نزلاء يطغى عليهم التكفير والتفجير، منتمون لأنصار بيت المقدس "داعش"، إضافة إلى شباب من السلفيين والاخوان. 

وتستطيع تمييز الداعشي بسهولة من بين السجناء، حيث يمتلك سمتا بارزا يميزه عن غيره "سلفي أو إخواني"، من حيث الشكل، فضلا عن الفكر، الذي تكتشفه بعد الحديث معه، فلحية الداعشي تكسي وجهه مع  إسبال لشعر الرأس حتى يلامس كتفيه، بينما تستطيع أن تميز السلفي الذي يكتفي بإعفاء اللحية وتقصير شعر الرأس، أما الإخواني فعادة ما يخفف لحيته وشعر رأسه أو يحلقها بالكلية.

 بدا من كلام الشاب العشريني، وفقا للداعية الأزهري إنه على شفا الإنزلاق في غياهب التكفير، متأثرا  بالشبهات التي يروج لها نزلاء السجن عليه وأمثاله من بقية الشباب "قليل الحيلة والعلم"، الذي يقف عاجزا عن مواجهة الفتنة أو مجارات غلاة التكفير في الرد على حيلهم وفهمهم الخاطئ لنصوص الشرع.

و يستقطب الداعشي فريسته كالعنكبوت الذي ينسج خيوطه لاصطياد فريسته ، من خلال استحضار الخطاب العاطفي والفهم الخاطئ لنصوص القرأن والحديث  الشريف، حتى يقع الشاب فريسة في عش التكفير.

طرح الشبهات والتنظير في المسائل الشرعية، مع الحدثاء وذوي العواطف الجياشة التي تتغلب فيها العاطفة عن العقل، فرائس آخرى سهلة الاقتناص والسقوط تحت مخالب التكفيريين، باستسلام تام دون مقاومة.

جاء رد الشاب على السؤال الاهم، ماذا لو عاد بك الزمان .. هل تخرج للمظاهرات؟، فأجاب على مضض لن أخرج .. ولاح بإشارة تشير إلى إتباعه العنف كطريقة بديلة للتعبير عن رأيه.

وفي ودايٍ آخر تعيش إدارة السجن، لا يعنيها شيئا مما يجرى داخل الزنازين  سوى ضبط الأمن، ويغيب عنها إم جهلا أو عمدا، إنها تعد قنابل موقوتة قابلة للانفجار في وجه المجتمع، تفوق خطورتها القنبلة النووية، فتسمم العقول يوق مئات المرات تسمم الأبدان.

بهذا الإهمال، تزرع الدولة الشوك وترويه وترعاه،  ولن يحصده في النهاية سواها، وقد يمتد إلى أجيالا من المصريين، فنحن لازلنا نعاني من موجة التكفير التي عاشتها مصر في فترة التسعينات وماقبلها.

التعليقات