عندما يعتلى الهواة سدة الحكم

عندما يعتلى الهواة سدة الحكم
كان رحيل الملك عبدالله بن عبدالعزيز فى الثالث والعشرون من شهر يناير 2015 بمثابة ثورة، تغيرت على إثرها السياسة العامة للمملكة العربية السعودية داخليا وإقليميا ودوليا، وتحولت من الحكمة فى إتخاذ القرار فى عهد الراحل الملك عبدالله، إلى سياسة هواة، وهى سياسة تتميز بالتخبط والإرتباك، إلى جانب الإحساس المزيف بالعظمة، والإيمان بمدأ الثواب والعقاب فى السياسة، وهو المبدأ الذى عادة ما يستخدم فى تربية وتهذيب الأطفال، وهو أيضا المبدأ الذى به عاقبت المملكة لبنان لعدم إدانتها للإعتداء على البعثة الدبلوماسية السعودية بطهران فى يناير 2016 عقب تنفيذ السعودية لعقوبة الإعدام بحق المعارض السعودي الشيعى نمر النمر، وذلك بأن حرمتها من المساعدات التى كانت تقدمها لتسليح الجيش والأمن اللبنانى، نعم قد يكون لها أن تستاء من هذا الموقف اللبنانى، إلا أن الرد كان غير دبلوماسى على الإطلاق. 
وبنفس الطريقة - غير الدبلوماسية - أرادت المملكة أن تعاقب مصر على تصويتها لصالح المقترح الروسى بشأن سوريا فى مجلس الأمن، فقط لأن المملكة لديها موقف من روسيا، لمساندة الأخيرة بشار الأسد فى قتاله ضد الجماعات المسلحة التى تدعمها المملكة، وهى أيضا الجماعات التى أرادت روسيا أن تخرجها من دائرة التسوية السورية فى مقترحها أمام مجلس الأمن.
إلا أن الأمر مع مصر تخطى وقف المساعدات، إلى الإخلال ببعض الإتفاقيات المبرمة بين البلدين، فأوقفت المملكة شحنات البترول المتفق عليها ، وذهب الملك سلمان ليرقص مع الأمير تميم فى قطر على أنغام قناة الجزيرة ومواقفها المعادية صراحة ضد مصر.
ثم إستصدار بيان من مجلس التعاون الخليجى يدافع عن قطر فى مواجهة مصر، بدعوى إقحام مصر لقطر فى حاثة تفجير الكنيسة البطرسية بالقاهرة، وهو الأمر الذى لم يحدث، حيث أن إسم قطر جاء فقط فى بيان وزارة الداخلية المصرية حول الحادث، حيث ذكرت أن مفجر الكنيسة قد زار قطر قبل الحادث، وهو أيضا ما لم تنفيه قطر نفسها، كل ذلك يحدث فى نفس الوقت الذى لم تبدى فيه مصر - على المستوى الرسمى - إنزعاجها من تلك التصرفات الإستفزازية والمتعجرفة للملكة - ومجلسها الخليجى مؤخراً - أملا فى الإحتكام إلى العقل، وإدراكا من مصر لمدى التحديات والمخاطر التى تواجهها المملكة والمنطقة بالكامل بما فيها مصر، وبأن ذلك لن يصب فى مصلحتها بأى حال من الأحوال، إنها حكمة الكبير الذى يعى يقينا أنه يملك الكثير من أوراق الرد، ولكنه يترفع عن الصغائر.
كل ذلك يمكن أن نتفهمه - كشعوب شقيقة - فى إطار اللوم، أوالتعبير عن الغضب أو الإستياء بشكل ما قد يكون فيه بعض القسوة، أما وأن تتعدى المملكة كل الخطوط الحمراء، وتذهب إلى أبعد مما يمكن أن تذهب إليه إسرائيل، أو ألد الخصوم عداوة لمصر، فيرسل الملك سلمان مستشاره فى زيارة علنية لسد النهضة الأثيوبى، ذلك الذى يهدد الأمن القومى المصرى، فإن ذلك لا يمكن أن يؤخذ فى إطار المكايدة أو الضغط، بل هو بمثابة إعلان حرب.
إذن هى الحرب، حتى ولو كانت على الورق، ولكنكم لن تحصدوا منها إلا خيبة تضاف إلى خيباتكم فى سوريا واليمن.
إن التاريخ الذى خلد مواقف العظماء بين البلدين، وسطرها بأحرف من نور، بدءاً من عام الرمادة، عندما أصبحت الجزيرة العربية جدباء قاحلة، لا ماء ولا مرعى، ولا ماشية ولا طعام. وجاع الناس، وأحسَّ عمر بجوع رعيته، فإستغاث بعمرو بن العاص فى مصر، وارسل إليه قائلا: بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى العاص ابن العاص، سلام عليك .أما بعد، أفتراني هالكًا ومن قبلي وتعيش أنت ومن قبلك؟ فياغوثاه! يا غوثاه! يا غوثاه!. ، فرد عمرو بن العاص والي مصر إلى عمر: .بسم الله الرحمن الرحيم ، إلى عبد الله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب من عمرو بن العاص، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله، الذي لا إله إلا هو، أما بعد، أتاك الغوث فلبيك لبيك، لقد بعثت إليك بعيرٍ أولها عندك وآخرها عندي، مع أني أرجو أن أجد سبيلاً أن أحمل في البحر.
وكذلك التارخ الذى سطر بأحرف من ذهب موقف الملك فيصل مع مصر فى حربها ضد إسرائيل عام 1973، وكذلك موقف الملك عبدالله مع مصر فى 30/6/2013 ، ضد أى تدخل غربى فى الشأن المصرى.
هو نفس التاريخ الذى سيسطر ما ترتكبونه اليوم من حماقات فى حق مصر والعرب والمسلمين بأحرف من طين!.
التعليقات