جدتي والشبح الأسود

جدتي والشبح الأسود

 

بعيدًا عن البيت ببضعة أمتار طلبت من السائق أن يوقف سيارة الأجرة.. كان الزحام شديدًا وكان شوقي لبيتي أشد منه.. شهران طويلان غبتهما ولم يعد بمقدوري الانتظار أكثر ولو لدقائق.. ترجلت من السيارة مسرعةً ، وصوبت نظري نحو بيتي، فوجدته هو بالذات مصدر الزحام، الناس تتحلق حوله، وعلى يمينه شىء يشبه المخيم ولكنه أكبر حجمًا.. أنا أعرف هذا الشىء، أعرف متى يستخدم ولماذا، ولإني أعرفه جيدًا تسرب القلق والخوف إلي قلبي، وتسارعت أفكاري لدرجة أصبحت ألهث وراءها، كل الأفكار تلاطمت في عقلي كموج البحر، الإ فكرة واحدة جاهدت بكل قوتي لأبعدها عني  .

وكأنها ابنًا يطالب بحقه في الاعتراف به.. تجسدت الفكرة.. الفكرة البغيضة نفسها.. في كل شىء حولي.. في نظرات الناس المصوبة نحوي، النظرات المملؤة بالألم والحسرة.. في الشارع الذي خلى فجأة من المارة.. والبيوت التي اكتست بالسواد.. والشمس التي انسحبت من المشهد بهدوء.. وفي أمي التي تحترق من البكاء.. وأبي الذي يغالب دموعه فتغلبه.. ونظرات أخوتي المملؤة بالاستسلام.. كل شىء يُنبىء برحيلك !.

"رحلت "جدتك" و"الخيمة البيضاء" من أجل عزائها".. لم أصدقهم يا جدتي.. أنت لا تفعلين هذا بي.. والموت لا يجرؤ على مسك وهو يعلم كم أحبك.. رُحت أبحث عنك في كل مكان.. اتذكرين العطلة الماضية عندما أخبرتيني أن حذاءك لا يشبهك في طول العمر، وأنك تحتاجين لإصلاحه، وقتها ابتسمت ودعوت الله أن يحفظك ويطيل عمرك، وها أنا الآن أحمل حذاءك الجديد بين يدي، فأين أنت الآن لترتديه ؟!

أحقًا شمسك غابت عن سمائي..؟ وغشى الظلام الكون كلّه.. وخلى العالم كله من الألوان.. ولكن صوتك يا جدتي مازال يرنّ في أذني.. ووجهك لم يغب لحظة عن بالي، ولم أعد أتذكّر إلا صورتك ونظرات عينيك، كيف ترحلين وأنتي تستوطنين كياني؟ 

أيها القاتل سىء الطباع لما لا تعيدها لي ولو لدقيقة؟.. لما لا تنتظر حتى تعطيني رأيها في الحذاء الجديد؟؟.. أيها الشبح الأسود  لما كانت خطواتك أسرع مني إليها؟؟.. أيها الموت هتفت للوحشة لتستوطن قلبي.. لماذا؟ لو تعلم ما في قلبي من غصة لأعدتها إليّ..

"ستي" أتعلمين ماذا فعل رحيلك بي؟؟.. مع من سأتقاسم سريري؟ ومن سيسهر معي حتى الصباح؟؟ على من سأطلق نكاتي؟؟.. آه يا ستي لو تعلمين كما تمنيت أن أكون ساحرة لأبقيك على قيد الحياة حتى قيام الساعة.. أو عالمة كيمياء لاخترع دواءً يُبقيكِ حتى ألفظ أنفاسي.. أوصيتك أن تخبريني عندما يشتد عليكِ المرض.. ألومك وتسمعينني أعرف..

وها أنا الآن أجلس في غرفتنا المشتركة، الغرفة ذاتها التي كانت شاهدةً على  كلامنا معًا، ضحكاتنا، ودموعنا، على راحة البال وطمأنة القلب التي كان يضفيها حضورك في حياتي، ولكنها الآن أصبحت شاهدةً على غيابك، وعلى قلبي الممزق، ودموعي التي تنهمر بلا حساب، وموجات الآلم والحسرة التي تعصف بي من وقت لآخر..كيف بالله يا ستي رحلتي دون كلمة وداع واحدة؟ وكيف بالله يمكن للقلب أن يتحمل رحيلك؟ وكيف اناديك ولا تُجيبيني؟!  

فجأة يرن هاتفي المحمول.. أتكوني أنتي يا ستي؟ هل سمع الموت ندائي؟ هل عرف الآن مقدار حبي لكي؟ هل غير من طباعه وأصبح الآن يملك قلبًا يشعر به ؟ أمسكت الهاتف مسرعةً.. وجاءني الرد من الطرف الآخر: أزهار أين أنتِ.. أمازلتِ نائمة؟.. سوف نتأخر عن العمل.. نائمة؟.. عمل؟.. حقًا كنت نائمة؟.. كل هذا لم يمكن واقعًا؟ .. كان كابوسًا؟.

من شدة فرحتي ظللت أبكي لساعات، ثم هاتفت أبي للاطمئنان على جدتي.. تحدثت معها طويلًا ومازحتها: "أيه يا ستي تعبتيني على فكرة في أحلامي.. كل مرة أجيبك من مكان.. مرة متخانقة مع جارنا عشان وقعتي قدام بيته.. ومرة متخانقة مع الباب عشان اتخبطتي فيه.. ايه بقة؟ مفيش حلم يطري على الأيام اللي أحنا فيها ولا ايه؟؟"وردت هي بضحكة أعادت لسمائي شمسها.. ستي مازالت تضىء كوني بنورها، ولم أفقد لذة سماع اسمي عند مناداتها.

التعليقات