مجنون في عنبر العقلاء «2»

مجنون في عنبر العقلاء «2»

     في الخارج يَزداد اضطراب العاصِفة , وفي الداخل يَزداد اضطراب نَفسه.

     يعلُو صُراخا ً بداخل ذاته يُنَبِهه بالخَطَر الذي بدأ يَحدُث داخِله ومن حولِه , فكان يُحاوِل كِتمان ذلك الصوت.

     بل أنه حاوَل الاندِماج مع أصدقاءه من الطَيبين مِن نُزَلاء العنبر وبالفِعل تَقَرب من الكَثيرين وكانت المُفاجأة عندما وَجَد منهم مَن كان مَجنونا ً, دَخَل مُحتمِيا ً في بِداية العاصِفة وأجبَرَته شِدة العاصِفة بِالخارِج على البَقاء في الداخل وظَل حَبيساً حَتى أصبَح عاقِلا ً من العُقلاء.

     لكِن مَجنوننا أخذَته الصَدمة مُتَحَيِرا ً مُتَسائِلاً .. "هل سأصبح يوما ً مِثلهم؟!"

     وبَعد فترة ليسَت بقليلة داخِل العَنبر وَجَد مُتنَفَسا ً لهُ .. وَجَد ما بَعَث بداخِله الأمَل ِمن جَديد ..فقد وَجَد شباكا ً.

     ففي يومٍ وهو يَتَجَول داخِل العَنبر هائِما ً عَلى وَجهِه شارِد الذِهن , شَعَر بنسمةِ هواء تَلمِس وَجهه اقشَعَر لها بَدَنه بَعَثت بداخِله سلاما ً.

     رَفَع نَظَره و إذ شباكا ً هائِلا ً يطل على الجِهة الأُخرى من الوادي , جِهة لم تَصِل لها العاصِفة ولم تَمسها بسوءٍ , فأَخَذ يتَأمل المَنظر الجَميل والطَبيعة الخَلابة وأخَذَ يَسمَع داخِل نفسِه خَرير المياه مِن الشَلال البَعيد .. وحَركة أوراق الأشجار كانَ يَراها بروحِه وهي تَتَمايل مَع النَسَمات.

     وكان الشباك مُحاطا ً بزخارِف فنِية ذات طابِع بيزنطي مِن العَصر اليوناني مَرسُومة بماءِ الذَهَب ومَحفورة بيَد فنان ماهِر, فكان يَتأمَلها مُنبَهِرا ً برَوعتها ودِقَتها وجَمالها.

     أخَذَه بَريقها و لم يَلحَظ أنها مُجَرَد إطارا ً..

     وكان ذلك الشباك مُتَنَفسه الوحيد سواء صاحيا ً أو نائِما ً , سواء كان واقفا ً متأمِلا ً أمام الشباك أو بَعيدا ً عنه .

     كانت الصَفعة التي هَوَت بِه مُترَنِحاً عندما قَرَر الاقتراب.. فقد قَرَر في يومٍ أن يَقتَرِب أكثَر فأكثَر مِن الشباك الذي يطل على أبدَع مَنظَر رأته عَيناه , الذي كان يَرى فيه دائِما ً الكَمال.

     أخَذَ يَقتَرِب حتى اصطَدَم وانصَدم ؛ فكانت الصَدمة عندما وَجَد انها مُجَرد لوحة , لوحة بأيد ٍ بارِعة ولكن سَتَظل لوحة.. لوحة تَشع بالجَمال والحياة ولكن سَتظل لوحة.. جَماد لا يُحَرِك ساكنا ً , يَبعَث بالأمَل ولكِن لا يَمنَحه .

     فعادَ إلى واقِعه الأليم مُتَكَدِراً حائِرا ً, وبَعد أن كان يَتَحَدث إلى الطَبيعة مُمَجِدا ً عَظَمة خَلق تِلك الحياة خِلال تِلك اللوحة..عاد مُحَدِثا ً نَفسه لاعِنا ً العاصِفة واليوم الذي اضطَره لِلجوء لذَلك العَنبر واللحظة التي رأى فيها تِلك اللوحة التي بَعَثت بداخله الأَمَل.

    حاوَل الوقوف مُتَحَدِيا ً صِعاب الحياة داخِل العَنبر التي كانت تَزداد بَطشا ً يَوماً عن يَوم ٍ.

     فكانت الحياة داخِل العَنبر قَد أصبَحَت مَزيجا ً مِن الصِراعات والمكائِد والشَر , للدَرَجة التي شَعَر مَعها ان روحا ً شريرة أصبَحَت تَتَحَكم بذلِك المَكان.

     فقد أصبَحَت جُدرانه جواسيس وآثاثه عُملاء لصالِح جِهات قُوى الشَر التي لا يَعلم مِن أين أتَت أو مَتى سَتَرحَل.

     فكان يَبدو للكَثيرين أحيانا ً كجَبلِ ثلج مَكسِيا ً بالجَليد وَسَط جوٍ يَسوده البرود , وأحيانا ً أُخرى كجَبلٍ من الرِمال الصَفراء الذي يعكس آشِعة الشَمس في نهارٍ حار فيُرى من بعيد كحَبَات الذَهَب.. لكن لم يَكُن أحد يعلم أن ذلك الجَبَل يُخبئ بُركاناً .. بركان تزداد حِمَمه وتَعلو يوما ً بعد يوم ٍ وسينفجر فجأة ماحيا ً كل شئٍ حَوله.

     وفي ذات نهارٍ , وَسط تِلك الصِراعات العاتِية , وبَين تِلك المكائِد التي كانت تُحاك لأولئِك الذين يُحاوِلون الصُمود مُحافِظين على نقاء نفوسهم.. وَقَفَ وصَرَخ , ولكنه لم يعلم هل ذلك الصراخ بداخِله فقط أم سَمِعَه سائِر نُزَلاء العَنبر أم وَصَل إلى عُلى السَماء.

     صَرَخَ صَرخة مُدوية جَرَحَت أعماقه , أفاقته من حالة السبات التي كان بدأ يَدخُل فيها .. أفاقَته ليَنتشِل نَفسه مِما أَغرَق نَفسه فيه. فَوَجَد نَفسه على شَفا التَعَقُل , التَعَقُل الذي كان سيُفقِده ذاته , فوَجَدَ شخص آخر بَدأ يَسكُنه لم يَكُن يَعلَم عَنه شئ.

     فبدأ جُنونه الجَميل بداخل روحه يُحَدِث نَفسه صارِخا ً في أعماق كيانه قائِلاً قُم وَ طِر أيُها القَوي , فلن يَهزمك ولا يُحنيك أياً من كان , قُم افرِد جناحيك كالنِسر في سماء حُرِيتك وانطلِق .. فلم ولن يُولد من يَكسر جناحيك.

     احلم .. فلا حدود لأحلامك.

     اخرج واجِه العاصِفة .. فستكون خير لك من الاحتِماء بجدرانٍ ذات براثِن ستُزهق روحَك البَرئ وتقضي على ما بقي منك بمرور الأيام.

     فقد واجَهت عواصِف من قَبل ولم تَكسرك , بالفعل أتعَبَتَك وأوقَعَتَك أرضاً لكن قُمت وازدَدت قوة.. انطَرَحت واسترَحت قَليلاً ثُم قُمت وكان قِيامك كأسدٍ اهتَزَت لزئِيرِه أرض الوادي , ليس طَرَباً أو رقصاً بل خَوفاً وَ رِعدةً ..جَرَحَتك لكن الجَرح زادَك جَمالاً.. تَرَكَت بَعض النَدَبات في صَميم روحك لكِن نَدَباتك زادَتك بَريقاً..

     أُخرج وواجِه العاصِفة..فلا عاصِفة تَستَمِر إلى الأبَد ولا أمطاراً تُحدِث طوفاناً ثانٍ ..

     وستبزغ الشمس من وراء الشَفَق الأزرَق البَعيد.

     أُخرج صديقي المجنون واجِه العاصِفة..فلا عاصِفة تَكسرك ولا رياح تُحنِيك.

التعليقات