رسالة عن كتاب ينبع بكل الأمل والألم

رسالة عن كتاب ينبع بكل الأمل والألم

صديقتي العزيزة ...

أكتب لكي الآن بعدما انتهيت من كتاب "من الشباك" الذي استعرته منكي، هذا الكتاب الموجع في حروفه وقصصه، بدايته كانت متوقعة قليلًا بالنسبة لي، وشعرت للحظة أنني أشاهد برومو فيلم "اشتباك" الذي طالما ابتعدت عن مشاهدته بالاميال، إلا أن ما كُتب من قصص في هذا الكتاب - وخاصة أوائل القصص- جعلتني اشعر انني شاهدت الفيلم - وللي كان كان - ولكن مع توغلي في القصص وخاصة كل ما يلي قصة الظابط الذي حُكم عليه وحاول التملص من أعين الصحفيين بدأ الأمر يختلف، لمعت عيناني، سعدت بما مر به - حقيقيًا!- وللاسف حكمت عليه بدون معرفة أي شيء ولكن هذا من حقي فالظباط "وهذا ظهر في العديد من روايات الكتاب وخارجه" كانوا يمارسون كل ألوان الذل والقهر على الجميع حتى اهالي المسجونين لم يسلموا من بطشهم! فهؤلاء "حماة الوطن" استطاعوا اقناع حالهم بأنهم أنصاف آلهة وعلى الجميع السمع والطاعة وإلا الجلد والردم!  فلماذا لا نفرح من انتقام هين كهذا!

لقد انفطر قلبي لمدة ثلاث أيام كاملة  - ما تتطلبه الأمر لإنهاء الكتاب - على ما قرأته وعلى من ماتوا -فطيس!- ماتوا من الاختناق والتعذيب لاوقات وصلت للايام داخل عربة ظاهرها الكبر وباطنها الضيق والفزع! وكلما قرأت أكثر عنهم أغرق في التفكير في حال أهاليهم الآن، تخيلت حسرتهم وشعورهم الدائم بالذنب؛ لأنهم لم يكونوا متواجدين في أخر لحظات حياتهم، أنهم عجوزوا عن احتضانهم وهم يلتقطون انفاسهم الاخيرة، انهم لم يمنعوه من الاشتراك في اي حدث كان السبب في موتهم بتلك الطريقة! تخيلت كسرتهم وعجزوهم امام آلامهم واحباطتهم! فكم كانت الأماني عالية؟ كم تمنوا ان يجتمعوا بحبابهم ولكن عربة الترحيلات سلبت منهم هذا بكل برود وقسوة! أنا نفسي شعرت بالذنب فكيف لي أن ارى حياتي سوداء وهنالك ابرياء يقتلون كل يوم بدون سبب واضح لإنهاء حياتهم بتلك الطريقة الشنعاء؟! كيف صولت لي نفسي أن أبيع كل معتقداتي وقضاياي وتركت عملي وخياتي - لأنني مكتئة قليلًا أو ينتابني نوبات من الجزن لفترات - ؟!

الضحك في هذا الكتاب كان يشبه البكاء تمامًا! ضحكت مع الشابان عندما وافق "طيار الدليفري" ان يفتح علبة الجاتو اخيرًا، ضحكت وانا أبكي بداخلي مما شاهدوه من وجع وخوف! وابتسمت وقتما قالت العجوز للفتاة التي زارتها بعد خروجها من السجن "لماذا عدتي إلى هنا .. اذهبي ... شوفي حياتك!" .. وارتبكت مع من طاردته العديد من الإغماءات فصار يحكي عن مشاهد تشبه الكوابيس لا الاحلام! يحكي عن عنكبوت وشفاط وهواء ومطر، اشياء غير مرتبطة ببعضها البعض لم افهمها ... بينما ادركت انه يهذي او يحاول الانفلات من وجع يتمنى لو يمحى من ذاكرته للابد؛ ليستطيع اتمام حياته بأقل قدر ممكن من الطبيعية.

وكما كان الوجع والألم هما الغالبان على كل القصص فهناك ايضًا من استطاع ان يتخطاهما ويبدلهما بالأمل وتطيب الخاطر بالاشياء البسيطة للغاية والحالمة بين قضبان وحديد لا يسمح دائمًا بها! شعرت بطاقة نور تخرج من جوانب عربة مظلمة، خاصة مع قصة "الجواب"، فتلك الفتاة القوية، التي تعرف كيف تلين الحجر! لم تندم على ما فعلته ولن تندم ابدًا، تريد التغير فتغيرت من داخلها أولًا، ثم آمنت بما تفعل ثانيًا، وفي النهاية كانت مستعدة للعواقب والمزايا! كم اتمنى أن أصير مثلها في يومًا من الأيام.

ولكي اكون صريحة فقصص الفتايات في الكتاب كانت أخف على قلبي من أي قصص أخرى تصدر من رجال! فقد لاحظت أن الفتايات في قصصهن حالمات ومطلعيات على ما يحدث بهدوء ورزانة -غريبة- أكثر من الرجال! لم أجد تفسير منطقي لهذا إلا أن هؤلاء الظباط يحاولوا دائمًا إظهار قدر ضئيل جدًا من الرأفة على حال الفتايات، فلا يمروا بمفاجع مماقلة لما يمر بها الرجال، أو كان الكاتب حبكته في الاساس هو وجود فتاة داخل عربة ترحيلات وكفى، أم أنه تأثري الجارف بقصص موت الشباب وتخيل الجثث متكومة فوق بعضها البعض جعل من قصص الفتايات مهما كان قوتها شيء هزلي! فالموت فاجعة لا يمكن التحكم فيها وبتلك الطريقة يجعل العقل يتوقف عن وزن الأمور والتفكير في أوجاع الفتايات وخوفهن وقصصهن المؤلمة بالتأكيد!

قلبي يتشنج كلما تذكرت قصصهم ويموت ألمًا كلما تذكرت قصة الأم التي ترى ابنها بلا روح، قلبي يعتصر حزنا على حاله وخالها، نعم هو من مر بالاحداث المجعة التي لا يعلمها سوا الله! نعم هو من واجه الضرب والمهانة وإن لم يكن واجه الموت مئات المرات في هذا الشهر الذي قضاه في الترجال داخل عربة الترحيلات! فبالتأكيد في هذا الشهر غالب الموت عدد ليس قليل من اصدقائه في المحنة! وبالتأكيد تمنى لو صار واحد منهم ولا تغلب الحياة على الموت في حالته! فالموت أرحم من الاستمرار في المعيشة داخل عربة ترحيلات خالية من كل وسائل الادمية! فهو انسان ولن يستطيع ان يتحول لحشرة ولو بعد سنين لا عدة اسابيع! سيتألم ويتوجع ويصبر على البلاء ولكن ظلام العربة بالتأكيد قد حول البلاء إلى صورة مصغرة من جحيم لا يعرف متى سينتهي من مواجهته! وعندما انتهى انتهت معه طاقته وروحه، سلبت فبقى عقلًا شارد لا يستطيع التعبير عما بداخله من نيران ورواسب من نموذج مصغر من الحجيم!

كم اتمنى أن ألمس هذا الشاب، أن أحتضنه لأطول فترة ممكنة، أضمه بين ضلوعي؛ لأقول له أطمئن أنت بين أهل واشخاص لم ينزع الله منهم الرحمة كما نزعته الحياة من هؤلاء الاوغاد! أنه استمر في الحياة وعاند الجحيم ولهذا يستطيع ان يواجه اي شيء قادم مهما كان! ان اقول له أن ظهره لايزال مفرود وأن عقله مازال يعمله وأن روحه ستتجدد بالأمل في فجر جديد! كم أتمنى ذلك بششدة وأعلم أنه لن يحدث إلا أن محاولاتي في التمني تكفي الآن، ولكن السؤال الأهم من كل هذا العبث كيف أحوال كل من شارك بقصته في هذا الكتاب؟ من لايزال في السجن ومن خرج منه ومن عاد إليه؟ ما الذي يدفعهم في الاستمرار في تلك الحياة؟

التعليقات