مجرد خطأ

مجرد خطأ

 

أين أنا؟ أين أنا؟ لمأنا محاصر في هذا الصندوق الخشبي؟ هل هذه خدعة من خدع أخي المعتادة، ولكن هذه دعابة سخيفة للغاية!

" لا داعي لهذا النوع من الدعابات، إذا رأيتك أمامي الآن سأبرحك ضربًا، أتسمعني؟! أقسم لك بربي أن أجعلك تندم على هذا الفعل"، وتوالت ضرباتي على الخشب حتي ينفتح هذا الصندوق، واستمريت في الضرب، وبشدة، حتي جُرِحَت يداي، وأنا أصرخ بعصبية شديدة، حتي استطعت أن أخرج من هذا الصندوق المُهلِك والقابض للأنفاس.. ما هذا الزي الغريب الذي أرتديه؟! إنه يشبه الكفن الأبيض الذي توضع فيه الجثامين الهامدة! لم أجد أحدًا في الغرفة، ولكن سمعت أصواتًا كثيرة ومتضاربة في الخارج في غرفة المعيشة، أسمع أصوات بكاء وصراخ وكأن هناك كارثة ما حدثت بالفعل! و لكن ترى ماذا حدث؟!

ارتديت ملابس كانت ملقاة على الأرض حتى أستطيع الخروج من الغرفة، و خرجت بالفعل، وكان المشهد صادمًا للغاية؛ رأيت أبي وأمي يجلسان على الأريكة ويواسيان بعضهما البعض ويجهشون بالبكاء، ورأيت أخي وأختي في وضع القرفصاء على الأرض يبكون بشدة أيضًا، ولكن لماذا كل هذا الندم والبكاء؟

ركضت مسرعًا إلى أبي و أمي وجثوت على ركبتي وصرخت بهم بلهفة وقلت: "ماذا حدث.. أبي.. أمي.. أرجوكم، لا تصمتوا هكذا، أرجوكم تجاوبوا معي وتحدثوا.. أرجوكم.. ماذا حدث؟! نظرا إلي وكانت الدموع تملأ عيناهم الحمراوتان ثم نظروا إلي بعضهم البعض واستمروا في البكاء!.. ما هذا الهراء؟! ما الذي حدث؟! ما هذا اليوم الغريب؟! وصرخت فيهم صرخة قوية: "ماذااا حدث؟!.. وأخيرًا قام أبي بالرد علي والتجاوب معي.. و لكن بعد أن سمعت ما قاله فضلت أن يظلا صامتان ولا يتحدثا معي.. قال لي أبي بمنتهي الهدوء وأثناء تساقط دموعه: "ما الذي جعلك تخرج من النعش؟ أرجوك ادخل ولا تخرج مرة أخرى.. لا تصعب علينا الأمر أكثر من ذلك.. الأمر لن يستغرق الكثير من الوقت.. ادخل وأنا سأغلق الغرفة حتي تسطيع الموت بهدوء"

" ما هذا الذي تقوله يا أبي؟ هل اشتركت مع أخي في دعاباته السخيفة؟! هههه حقًا يا أبي! لا أصدق أنه أقنعك أن تشترك معه للعبث معي بهذه الطريقة.. أرجوكما كُفَّا عن هذه الطريقة"

فتحدثت إلى أمي بنبرة هادئة وقلت: "حتى أنتي يا أمي.. لا أصدق أنك تسطيعين الإدَّعاء وخداعي بهذه الطريقة.. حقًا أنتي بارعة في التظاهر بالبكاء"

نظرت لي أمي نظرة مليئة بكمية حزن وحسرة لا يستطيع أحد تحملها أبدًا حتى اختفت ابتسامتي فورًا.. وقالت لي: "سوف أشتاق إليك يا ولدي.. ولكن لا تقلق سأقضي بقية حياتي أصلي وأرجو من الله أن يرحمك ويغفر لك وأقضي كل وقتي في قراءة الآيات المباركة على قبرك يا بني..لا تقلق.. لن أنساك أبدًا"

واستمرت في البكاء والصراخ الشديد الذي يكاد أن يفتك بقلبي.. لست مستوعبًا ما يقوله والداي أبدًا ولكني توترت بشدة وشعرت بخوف رهيب مما سمعته للتو.. ماذا يعنون بهذا الكلام؟! هل أنا.. حقًا.. ههه.. هل أنا ميت؟! لا لا غير معقول.. إنهم يتحدثون إلي ويرونني ويلمسوني.. من المستحيل أن أكون ميتًا.

ما هذا العبث؟ بالتأكيد أنا أحلم، ولكنه ليس حلمًا أيضًا.. إنه كابوس.. يصيبني بالاضطراب والضيق، ولكن من المفترض أن أفيق من هذا العبث وأستيقظ من غفلتي! لما يستمر هذا الهراء؟

ثم ذهبت لأخي وأختي الجالسان علي الأرض وأنا أراقب أخي وهو واضع يديه على وجهه، وأختي وهي ممسكة بالمصحف وتتلو بعض الآيات القرآنية على روحي.. حقًا.. لا تتعجب.. قد بدأت بالفعل بتقبل الأمر والتعامل على أساس هذا المبدأ، وأنني عبارة عن روح فانية أمام عائلتي ولا أستطيع فعل أي شيء تجاه هذا الأمر.. ظللت أتحدث إلى أخي وأختي وأقول: "إخوتي.. أرجوكم.. قولوا لي أن هذه مزحة.. مجرد مزحة.. أتوسل إليكم"

و لكنهم مستمرين على وضعهم المريب هذا.. وحزنهم وحسرتهم الشديدة.. إذا مر أي شخص ولاحظ هذا المشهد لن يستطع تمالك نفسه وسوف ينهمر في البكاء مما يراه من حزن أربعة أفراد.. بل تكفي نظرة أعينهم لي.. التي لا أستطيع أن أوصفها.. حتى أعظم الأدباء، وعلى الرغم من فصاحتهم القوية، إلا أنهم لن يستطيعوا وصف كمية الحزن والندم التي تملأ أرجاء المكان ..

فقدت الأمل، وشعرت بالإحباط، ليس هناك أي شيء في استطاعتي أن أقوم به.. ليس علي إلا تدارك الموقف وتقبل الأمر ..

وفجأةً..

بدأت أجسام أفراد عائلتي في التلاشي في الهواء، ولم يتبق إلا فتات كل شخص فيهم مثل حبات التراب وظلت روح كل شخص منهم في الصعود بجانب الأرواح الأخرى إلى السماء وكأنهم ملائكة صاعدين إلى الفردوس.. وبقيت أنا في مكاني أصرخ فيهم وأنادي وأتوسل إليهم وأرجوهم ألا يتركوني هنا وحدي لا أعرف هل أنا حي أم ميت؟! "أبي.. أمي.. أرجوكم لا تتركوني هنااا.. أرجوكم.. هل من شخص منكم أن يسحبني معكم إلي الأعلى.. أرجوووكم.. لاااا" واستمريت بالجهش في البكاء والصراخ الحاد الذي يكاد أن يشرخ بصدري و حلقي.

ثم بدأت في الاستيقاظ والإفاقة وأنا أصرخ بشدة وأشعر بالضيق وكأن هناك أحمال وأطنان من الحديد ملقاة على صدري، ولا أستطيع التنفس، وبدأت أفتح عيناي تدريجيا وببطء شديد.. حتى اكتملا في اتساعهما وأفقت.. ثم قمت بتناول كوب من الماء بشكل جنوني وكأنه قبلة الحياة التي ردت روحي لي مرة أخري والتي كادت أن تختنق داخل ذلك "الكابوس المتكرر" الذي قد ابتلاني به الله لمعاقبتي طوال حياتي علي ذنب ارتكبته تجاه عائلتي.

" يا الله.. اعفني من هذا الكابوس.. أنا لا أستطيع مواصلة حياتي بهذا الشكل.. لا تُحَمِّل الذنب كله علي عاتقي أنا.. ألست أنت من تصنع الأقدار و تكتبها؟ ألست أنت من قضيت أن تموت كل عائلتي ولم يتبق منهم سواي؟! ألست أنت من أمرت ملك الموت أن يقبض أرواحهم ويتركني كي أذوق مرارة وقسوة الحياة طوال عمري متفردًا؟! ألست أنت من تدث في روحي الشعور بالندم والحسرة؟! و كأنها خطيئتي وحدي! أنا فقط قمت بشرب الخمر، ولكن هذه ليست المرة الأولى.. أنا لست هاوٍ.. ولكن أليس من الغريب أن تنقلب السيارة وحدها؟! هكذا بدون أي تدخل من الطبيعة؟! و لم أنا فقط من يجب عليه تحمل الذنب وحده؟ أعترف لك، حقا، إني ارتكبت خطيئة وذنب قبيح تجاه عائلتي، ولكن كانت لديك المقدرة في تدارك الأمر والسيطرة عليه، وأن تجعل الرحلة تمر بسلام أو أن كنت تجعل روحي فانية معهم..بالفعل أنا من كان يقود السيارة وكنت أقود بطريقة متهورة بعض الشيء.. ولكن أنت المتحكم والمسيطر على كل شيء! لماذااا؟أجبني، أتريد معاقبتي؟ لماذا لم تدخر معاقبتي في الآخرة فقط وتتركني أعيش حياتي بهدوء وسلام؟ أنا الآن عبارة عن نصف ميت، ضميري يقتلني حقا، إني أري أشكالهم أمامي في كل مكان ينظرون لي بنظرات ليست بالهينة أبدا، نظراتهم حقا تطعنني بخنجر حاد و شاق للغاية! لا أستطيع تحمله، لا الخمر ولا النوم يستطيعونعلاجي! أنت فقط من يستطيع إراحة بدني وعقلي! اغفر لي ما أقوله الآن.. أنت تعلم بالتأكيد أني مظطرب هذه الفترة بسبب ما يحدث لي.. ليس لي سواك الآن يا إلهي أرجوك أنقذني و لا تتركني.. أنا أعتذر على كل فعل وكل خطأ ارتكبته.. ولكن إن استمرت حياتي هكذا لن يتبق لي سوي أمر واحد يتوجب علي فعله، وهو أن أريح العالم بأكمله من شخص مجرم وخطَّاء مثلي.. يتجسد الشيطان في هيئته.. فأنا من تسببت في قتل عائلتي، وأنا من يجب عليه دفع الثمن إلي الأبد"

بعد أيام قليلة فاحت رائحة الجثة، وأسرع الجيران بالدخول لشقته، وصُدِمَتْ أعينهم مما شاهدوا.. فكان مشهدا تقْشَعِرْ له الأبدان حقًا.. إنه مشهد مرير للغاية ..!!

وجدوا جثة الشخص "المُذنِب" ملقاة علي الأرض تسيل الدماء من يديه بغزارة.. ولكن وجدوا أيضا ورقة بجانبه، فأمسك بها أحد المتواجدين في مسرح الجريمة وبدأ في قراءتها:

" إلي من يهمه الأمر، أنا حقا ارتكبت خطيئة وذنبًا عظيمًا تجاه عائلتي البريئة التي من سوء حظها أني فقط أعَدْ فردًا منها.. إذا تم العثور على هذه الورقة فأنا حاليًا فاقد للحياة عن طريق الانتحار، وليس هناك أي شخص مذنب هنا غيري! أنا من ارتكبت جميع الأخطاء تجاه نفسي، فأنا من قمت بشرب الخمر، وأنا من قمت بقيادة السيارة بتهور وعدم مبالاة بالأنفس التي تجالسني فيها! وأنا من قمت بقتل عائلتي بسبب غفلتي وتهوري، وأنا الآن من قمت بقتلي! فقد عشت حياتي مُذنِبًا وفارقتها وأنا كافر..

لذلك أريد أن أترك بصمة واحدة خيِّرَة لي في هذه الدنيا حتى أواجه الله وعلى الأقل يوجد معروف واحد في كُتَيِّبْ حسناتي ..

الحياة عبارة عن "جملة".. و أنت من تدونها بيدك،

فحاذر عند وضعك للفاصلات، فالواحدة منها قادرة على تغير مسار الجملة وتحويلها من معنى إلى معنى آخر عكسه تماما.

فلا تستهن بالخطأ الواحد! إن الله حقا غفور رحيم !!

و لكن لن يغفر لك ضميرك ولن ترحمك خطاياك .

التعليقات