جيل الثمانينات

جيل الثمانينات

 

كلما أرى حال جيلى .. جيل الثمانينات .. لا يمزق طيات قلبى إلا الحنين ..

الجيل الذى ولد و بدأ طفولته فى ثمانينيات القرن الماضى وعاش أغلب مراهقته فى العقد اللاحق .. عقد التسعينيات ..

الجيل المغترب حاليا وسط كل ما يجرى من حوله ..

أول جيل تقريبا تمتع أهله بمجانية التعليم بالأضافة إلى عادات وتقاليد وأدب أبناء زمان .. خلطة من المستحيل أن تتكرر مرة أخرى فى أهالى صاروا يحتاجون إلى من يربيهم أولا قبل أن يربوا أولادهم ..

ولد جيلى ﻷهل يتحسسون سلام "كامب ديفيد" بعد خمسة حروب ومائة ألف قتيل فى حذر .. و يتذوقون مذاقه الغريب فى تردد و حيرة .. بعد أن تعودت حلوقهم إما مرارة النكسة .. أو حلاوة النصر ..

هل يحمدون الله على نعمة تربية أولادهم فى أمان دون صفارات أنذار تدوى فى منتصف الليل .. أو مخابئ للغارات ! .. على نعمة أب أو أخ أو أبن هاجر ضمن خمسة ملايين فرد للعمل فى دول النفط بدلا من الذهاب إلى الجبهة بلا عودة ! ..

أم يلعنون صاحب هذا السلام و يرمونه بالخيانة وهم يرمقون بمقت المبنى رقم 6 بشارع أبن مالك فى الجيزة حيث تجرى مراسم أفتتاح السفارة الأسرائيلية ! ..

بالتأكيد يملك جيلنا فرصة أفضل وهو يجلس ممددا ساقيه المشعرتين على شواطئ فنادق شارم .. و دهب .. و طابا .. و باقى المنتجعات الأخرى الممتدة بطول سيناء لحسم هذا التردد والأتهام الذى مازال قائما حتى يومنا هذا ..

بعد سنوات طويلة من شوارع واسعة .. نظيفة .. خاوية .. أستمتعنا فيها بلعب الكرة ساعة العصارى .. أصبح من الطبيعى أن يشعر جيل تربى على أن ينام قبل العاشرة مساءا بالغربة وهو يمصمص شفتيه على أحوال شوارع اليوم ..

لم يعد يسعفنى شخصيا من حالة انسداد النفس سوى رائحة مبعثها نسائم الزمن الجميل تهب علينا على أيدى "رضا عبدالعال" ، "ياسر ريان" ، "أسماعيل يوسف" وحماسة "حسام حسن" وشقاوة "خالد الغندور" وغلاسة "أحمد شوبير" حينما يطلوا علينا بخبرة ووقار نجوم طالما أنبهر بهم مراهقى جيلنا فى التسعينيات .. على شاشات تزاحمهم فيها برامج مملؤة بسماجة كل من هب ودب ...

لم أفتقد فقط "صالح سليم" وهو يتربع بألاطة اخر البهوات المحترمين على عرش القلعة الحمراء ..

أو كل ما يمت بصلة لكرة زمان التى لم يتبق منها سوى خط الأوت الذى علينا أن نتشعبط فى عارضة المرمى حتى لا نجد انفسنا خارجه بلا قيم أومبادئ عاجزين حتى عن المنافسة فى بطولة للكرة الشراب ...

لا أظن أن أحدا من جيلى يتذكر وجوه لاعبى منتخب البطة الكسيحة القومى الخاص بنا أو حتى يشغل نفسه بحفظ أسمائهم ﻷننا نعلم جيدا أنه إذا قدر الله وشموا رائحة التأهل لبطولة تناسب إمكانياتهم فأننا لن نجد أى فرصة متاحة للأستمتاع بخيبتهم الثقيلة خلال السماوات المغلقة بفضل فساد الفيفا ورشاوى قطر وسموم أحتكار الجزيرة المغموسة بالغل السياسى

لم تذهب فقط مع الريح حلاوة وجمال مباريات القمة ..

المشجع المصرى الأصيل ذاته الذى لم يمل أبدا من مشاهدة القنوات الأرضية الأولى والثانية أنقرض وضاعت تحليلاته التكتيكية فى الهواء بصحبة انفاس دخان الشيشة الخارج من صدره أثناء جلوسه على قهوة "عفاف" بعد تلوث ثقافته بمتابعة دوريات أوروبا و هجوم الوباء السمعى والبصرى ﻷصحاب الكرافتات الشيك من داخل الأستوديوهات التحليلية على مناعته الكروية ...

أفتقد ويفتقد جيلى أشياء أخرى أكثر .. الدراسة .. و ملمس شتائها البارد الذى كان يأتى بصحبة رمضان ..

أجازة الصيف حاملة معها مجلدات ميكى .. كابتن ماجد .. روايات الشياطين 13 .. فلاش .. كل سلاسل روايات مصرية للجيب ..

أفتقد الجيل الذي كان يشعر بالراحة رغم بساطة كل شيء .. والأمان قبل أن تكشر حقيقة الدنيا عن أنيابها .. و يتغير كل شئ حوله .. و يرى المبادئ كلها تسقط .. و تتبدل .. فتصبح أيامه أقسى .. و أصعب ..

التعليقات