زوربا في مقابلة مع القمر

زوربا في مقابلة مع القمر

 

يبدو الطريق طويلاً وساقيّا يحملان أكياس رملية وكلما ازداد الزحام وتوقف الطريق زاد وخز حبات الرمل عليهما , أفتح الراديو أسبح بذهن شارد بين محطاته وأتلفت بين حين وأخر علي السيارات الواقفة بسأم جواري , كل الرؤوس تشابهت كل العيون منكبة علي هواتفها المحمولة اللاذكية , الساعة الآن تدق السابعة ولا أمل في الوصول لميعادي , تثرثر المذيعة بعناوين اليوم , لاجديد يحدث خارج دائرة الحروب والاتفاقيات والصفقات التي لا أستطيع أن أقرأ أرقامها المستوحاة من الأساطير الا أنها اختتمت بخبر يكاد يكون مضحكاً  " ظاهرة القمر الأحمر " "القمر الدامي " "ظاهرة فلكية نادرة " "منذ عام 1866" أغلقت الراديو,ضاقت بهم الدنيا فألصقوا تهمة مصاص دماء للقمر, تناولت هاتفي كالآخرين فانعكس ضوء قوي علي شاشته فإذا بالقمر علي يساري منتفخ الوجه , منذ متي والقمر يتناول عقار الكورتيزون حتي يصبح بهذا الحجم , عيناه غائرتان , تبدو ملامحه أو صخرياته المتشكلة كوجه آدمي حزينة بلا دموع , يغلب عليه لون أقرب للأحمر , بنفاذ صبر أغمض عيني قليلاً فالزحام أكثر تأثيراً علي العقل عن قلة النوم ونقص سكر الدم , لكن القمر كما هو لم يتغير بعدما رأيته ثانية , صرخت السيارات خلفي فسرت بعد سيولة مرورية لم تستمر ثوان وقبل أن أعبر الضفة الأخري للاشارة المرورية انغلقت كحظي تماماً ,عاد من حولي منكبين علي حروفهم ويساري مازال مشغولاً بوجه القمر , لكن ملامحه أصبحت أكثر ضجراً , ينفث بشدة كطفل غاضب ثم يصمت ويعاود نفثه النيراني ,دقائق وبدا كامرأة في مخاضها المتعثر , تُري مامصير الأرض إن اصطدم بها , "إهدأ قليلاً هو ليس كوباً زجاجياً ستكسره وتهدأ أيها القمر " رددت في سري , ضغطت كلاكس السيارة لألفت انتباه من حولي لما زاد من غضبه , لكن موجات رسائلهم التي لا تهدأ جذبتهم نحو بحرعميق , أطفأت محرك السيارة وترجلت , غاصت قدماي في أرض الحديقة المبتلة , سرت حتي منتصفها , لوّحت للقمر بكلتا يدي , قفزت حتي يهدأ , انحنيت وقطفت أزهاراً ذابلة من بين قدمي ولوحت له بها , لا أمل أن يهدأ , تضاءلت أفكاري أمام حجمه , فأسرعت نحو السيارات أطرق علي زجاجهم بفزع شارحاً لهم خطورة الموقف ,لا يلتفت أحد , القاهرة قاهرة المستغيث , أتكون النهاية الآن , نهاية البحث عن الذات نهاية الانحناء علي مكتب خشبي متهالك طوال العام أم نهاية قصة عمر لم تبتدئ بعد , أموت الآن بعد أن لاح قرار انفصالي عن خطيبتي منذ سويعات وأم تنتظرني بلهفة كي أعود, أسرعت نحو سيارتي أدرت المذياع بأعلي مستوي للصوت لم يلتفت أحد، عدت لمنتصف الحديقة لوحت ثانية وضجره ينفث لظي لايراه غيري , صفقت مع صوت الأغنية المنبعثة من سيارتي حتي تورمت يداي ، ماذا دهاك أيها القمر ؟ ألن تهدأ ؟ ألن تتركني أذهب بسلام لخطيبتي المنتظرة منذ ساعة في المقهي , دعني فقط أصلح مافسد ثم اصطدم كما شئت, لو تدري كم تحبك وكم كنت أضحك من خيالاتها وحواراتها عنك , ليتها هنا الآن , أعلم أنك وفيّ لمحبيك , مريدوك لا يرتضون غضبك أبداً , لكن أليس بين كل هؤلاء المنتظرين المتصارعين داخل حلبات العوالم الافتراضية من يهواك ياقمر، هل من سامع لصراخي! ، “هناك أسوأ ممن هو أصم , وهو الذي لا يريد أن يسمع” قالها زوربا ذات يوم وهاهي تتحقق....زوربا!! ....زوربا!! .....  لو كنت هنا الآن يازوربا ماذا ستفعل ، سأرقص ، قالها وهو يبتسم دار بخفة في مخيلتي ثم اختفي ، زوربا ... يازوربا لاتتركني وتمضي ، أرقص ؟؟ لم أفعلها يوماً , الخط المستقيم يلتوي الآن , خط مستقيم أم روتين صامت, أرقص؟! لقد أغرق الصمت أرضي , ثلاثون عاماً ألملم زرع مات تحت وطأة حياة جارفة خشنة , سأرقص ولتكن الرقصة الأخيرة , دندنت بموسيقي زوربا الشهيرة وأطلقت أطرافي من قيودها رقصت ورقصت , لم أدر كم مر من الوقت حتي أصابني الدوار فتوقفت وأنا ألهث فوجدت القمر وقد زاد نوره حتي غطي علي ضوء أعمدة الكهرباء ، تنفست الصعداء وشكرته وتمتمت له ببعض كلمات العرفان لولا دهشتي التي أخرستني لما وجدت هذا الجمع من البشر يرقصون رقصة زوربا يضحكون من قلوبهم متشابكي الأيدي منشرحة ملامحهم يدورون ويدورون ,لايوقفهم شئ وكأن همومهم تتساقط من أجسادهم فتسحقها أقدامهم , هواتفهم تضيئ في فزع داخل سياراتهم مفتحة الأبواب ولايلتفتون , تركتهم يحتفلون والقمر يبتسم , عدت لسيارتي وأخيراً استقبلتني إشارة المرور بذراعين مفتوحتين فانطلقت وأنا أحدث خطيبتي عبر الهاتف وأقول لها " كم تشبهين قمر الليلة "...

 

التعليقات