بركان بداخل الكهف

بركان بداخل الكهف

 

صخور صماء تحتضنهم ، أصوات مياة مرعبة تحاوطهم من كل إتجاه ، ظلام دامس يخيم عليهم ولكن هناك إصرار وصراع من أجل البقاء والحياة قابع في صدورهم يخبرهم أن ينتظروا ،فالمساعدة في الطريق إليهم . لا دلائل تبرهن على صدق ما يشعرون ولكن صوت الحدس كان أعلى كثيرا من كل مخاوفهم . لم يكن هناك ما يساعدهم على النضال أو يجعلهم يقاتلون باستماتة من أجل بقائهم ؛فبشاعة المشهد الذي يحاوطهم تلخص النهاية المحتومة في غضون أوقات قليلة . كل أسباب الخنوع للواقع تستحضر أمامهم : فصغر سنهم وحجمهم الضئيل وقلة خبراتهم بالحياة التي ستتضاعف مئات السنين عندما يخرجون منتصرين ، لا طعام ..لا شراب ..لا نوم ..ظلام .. تهوية غير جيدة تتضائل بمرور الوقت . والخطر الأكبر الذي لا يريد أن يتركهم وشأنهم هو منسوب المياة الذي من الممكن أن يرتفع في أي وقت وينتزع منهم أنفاس الحياة . إن لم يموتوا جوعاً سوف يلاحقهمالغرق، وإن لم يموتوا عطشاً سوف يموتوا خنقى . الموت يتربص بهم ويستهزىء بموقفهم المأساوي . فخيارتهم ليس معدودة في هذا المكان أو بمعنى أوضح ليست هناك خيارات من الأصل .

كيف كانت تمر الأيام عليهم .!  فيم كانوا يتحدثون ؟! هل كانوا يعبرون عن استيائهم .! هل يصرخون .. يبكون ؟ يستغيثون ؟ هل يتذكرون أهاليهم  وذكرياتهم السعيدة معهم ؟ هل يستعدون للموت ؟ أتخيل أنهم كانوا يضحكون ... نعم هؤلاء البواسل الذين صمدوا أمام أعتى الظروف ليس ببعيد عنهم أن يتسامروا ، يضحكوا لاهيين أنفسهم عن التفكير في مواجههة الخطر القادم . أتخيل أن مدربهم سألهم عن أصناف الطعام الذي يريدون أن يلتهموها الأن عندما أخبروه بجوعهم المرير ! هناك صبي قال لحم مشوي لذيذ وهناك من تمنى سمكاً مطبوخأ بذات الطريقة التي تعدها له والدته!

أما عن موقف المدرب الباسل رغم قلة خبرته التي أوقتعهم جميعاً في ذلك المأزق الخطير ، ليس هناك شخص بالغ معه يرافقه ويؤازره . كيف حافظ على رابطة جأش الأطفال ؟ كيف شجعهم وحثهم على الصبر رغم عدم وجود من يشجعه أو يعطيه الأمل ؟  كيف تحمل المسؤلية بكامل الشجاعة ولم يفقد أعصابه أمام الموت المنتظر ؟ كيف فعل ذلك؛فالكبار مختلفون عن الصغار في واقعيتهم ورؤيتهم للحقيقة بأعين موضوعية بعيد عن الخيال أو المشاعر .

ايضاً عندما جاءهم فريق الانقاذ يحمل لهم الحلول المقترحة لخروجهم ، ماذا كانت ردة فعلهم ؟ قالوا لهم أن عليهم تعلم الغوص والسباحة لمسافة أكثر من سبع كيلومترات وعليهم أن يخضعوا للتدريبعلى ذلك لمدة شهور !!! كانت ايضاً من ضمن الحلول أن يظلوا بالكهف لأربعة أشهر أخرين منتظرين إنتهاء موسم الأمطار ونضوب الماء من الكهف ؟! أطفال صغيرة لم ينهلوا من خبرة الحياة بعد لكن واجهوا ما لا يقدر الكبار علي مواجهته ، عميلة الأنقاذ مريرة بها أخطار عدة ، قد تودي بحياتهم  ولكن كان الاطفال على أتم الاستعداد لخوض اي حلول عسرة للخروج من ذلك الكهف والعودة للحياة . وهنا يأتي التساؤل الأكبر : مالذي جعلهم يناضلون من أجل البقاء ؟ لم تكن أمامي إلا اجابة واحدة وهي بركانالرغبة بداخلهم الذي خلقه الله في الانسان : وهو رغبة الحياة.

وجه الأطفال صفعة لكل انسان ضعيف تقصفه الظروف المريرة المستعصية المؤلمة ليشكر ربه ويواجه عواصفه بكل بسالة . كل التحية لهؤلاء الأبطال !

التعليقات