صلاح الدين المحتل .. «فى فقه الهجص»

صلاح الدين المحتل .. «فى فقه الهجص»

 

يصر أرباب فقه الهجص على ألصاق شتى التهم "بصلاح الدين الأيوبى" من بينها أنه جاء مصرغازيا مستعمرا, ناسين أو متناسين للحقائق التى تجيب عنها السطور التالية والتى تدحض مزاعمهم الواهية وأحقادهم الدفينة وولائهم المستتر للمذهب الفاطمى الشيعى

لم يكد "بلدوين الثالث" يستولى على عزقلان عام 1153م، المدينة التى سميت "عذراء الصحراء" لأنها كانت المدينة الساحلية الوحيدة التى لم تسقط فى أيدى الفرنج، حتى فتحت دمشق ابوابها لـ "نور الدين زنكى" والتى طالما أستعصت أمامه كما أستعصت أمام أبيه من قبل دون نقطة دماء، كى يوحد حلب ودمشق تحت راية واحدة وهو ما لم يحدث منذ زمن طويل بفضل "أيوب" والد "صلاح الدين الأيوبى" الذى نجح فى لعب دوره الدبلوماسى المعتاد بين أهل دمشق و"نور الدين زنكى" للتخفيف من اثار عداوتهم القديمة مستغلا الرعب الدمشقى من الخطر الأفرنجى المشترك.

على الجانب الأخر وبعدما خسرت إمارة أنطاكية نصف أراضيها وتولى "أمالريك" عرش "بلدوين الثالث" بعد وفاته، كان من الطبيعى أن تداعب ثروات الدولة الفاطمية التى تحتضر على فراش الموت فى أرض النيل عقل "أمالريك" و"نور الدين زنكى" الذى كان يخشى كل منهما أن تسقط مصر مخزن الغلال والتى تصل إليها أمدادات الذهب من السنغال والنوبة لتزيدها ثراءا فى أيدى الأخر فيحرم هو من خيراتها ويزيد الأخر قوة ..

وبالفعل وعلى الرغم من التقارب بين الدولة الفاطمية والفرنج فى وجه العدو المشترك من وجهة نظرهما ببلاد الشام، إلا أن الفرنج كانوا أول من مد يده لقطف التفاحة الطازجة، فدخلوا مصر عام 1161م ولم يتم خروجهم منها إلا بجزية سنوية ضخمة قدرها 160 ألف دينار .

يتناسى أرباب فقه الهجص فى التاريخ أن أول حملة من ثلاث حملات خرجت على مصر من بلاد الشام كانت بطلب وتوسل من "شاور" الوزير الفاطمى الذى كان يعد الحاكم الفعلى بينما الخليفة لم يكن إلا الحاكم الأعلى نظريا، بعدما أستولى عدوه "ضرغام" على منصبه بالقوة وطرده من القاهرة وقتل ولده، كان الأتفاق أن يستعيد الرجل وزارته مقابل ثلث دخل مصر جزية سنوية.

بالفعل لم يمض شهر إلا وأعاد "أسد الدين شيركو" عم "صلاح الدين" الوزير "شاور" إلى منصبه ومكانته قبل أن يدحر "ضرغام" الذى حاول الأستنجاد بملك بيت المقدس ولكن بعد فوات الأوان.

بعد ذلك نقض"شاور" عهده وأكتفى بدفع ثلاثون الف درهم بدلا من الجزية التى أتفق عليها سابقا، ثم أستقدم "أمالريك" ومملكة بيت المقدس اللاتينية ليجد "شيركوه" نفسه محاصرا بالفاطميين والفرنجة

تم عقد الصلح مع شيركوه بعدما أجتاحت جيوش "نور الدين" أراضى الفرنحة فى الشام فى حركة ذكية لتخفيف الحصار على جيش "شيركوه" فى مصر، فأستولى على حصن حارم قبل أن يدمر جيشا أفرنجيا فى أغسطس 1164م ويأسر "بوهيموند الثالث" أمير أنطاكية و"جوسلين الثالث" أمير الرها و"ريمون الثالث" أمير طرابلس ليستقر بهم الحال فى سجون حلب، ثم كانت الكلمة الفاصلة للحصار الذى فرضه "نور الدين" على بانيس التى الذى على أثره تم عقد الصلح بعدما سقطت هى الأخرى .

فى العام 1167م توجه "شيركوه" مرة أخرى إلى مصر مصطحبا معه "صلاح الدين" لتأديب "شاور" بعد الخديعة التى تعرضوا لها فأستنجدت دولة الشيعة وخليفتها بالفرنج و"أمالريك" لحماية القاهرة مقابل 400 ألف دينار .

توجه "شيركوه" إلى الأسكندرية التى كان ولائها وتأثرها الفكرى والعقائدى بالمذهب الأسماعيلى الفاسد أقل بكثير من القاهرة، فلم تستغرق من الوقت أو الجهد الكثير حتى أعلن أهلها التمرد على كل ولاء للدولة الفاطمية وجمعوا المال والسلاح للوقوف بجانب "شيركوه" و "صلاح الدين"

بعد أن قسم "أمالريك" إلى نصفين، نصف يحمى القاهرة فى إهانة صارخة ﻷهلها الذى صار الفرنج هم حراسهم وملاذ أمانهم، ونصف أخر لقنه جيش " شيركوه" هزيمة منكرة، فلم يجد "أمالريك" أمامه سوى محاصرة ميناء المدينة بأسطوله بحرا بينما حاصر الفاطميين المدينة برا لتجويعها وكسر أهلها .

بعد أن دخل الطرفان فى المفاوضات عسى أن تهدأ شعلة القلق فى صدر "شاور" من تواجد الجيشان على أرضه وخاصة الجيش الأفرنجى الذى كان خطره سيصبح أشد لو تغلب على الجيش الدمشقى، أتفق الطرفان على شروط الصلح مع بداية أغسطس وفتحت المدينة أبوابها ليحظى "صلاح الدين" الذى خلب لب الفرنج بتشريف كبير فى معسكر "أمالريك" نظير شجاعته وفروسيته وشهامة ونبل أخلاقه، لدرجة أنهم خلقوا قصة من العدم عن منحه لقب فارس من قبل "همفرى التونى" الذى صادقه .

بعد عودة الجيش الدمشقى إلى بلاده لاحظ "أمالريك" ضعف مصر التى ضغط عليه رجاله لغزوهها، فأدار قبلة جيوشه نحوها لتسقط بلبيس فى أيديهم ويشبعوا أهلها قتلا وحرقا، ثم لم يلبس أن زحفوا إلى القاهرة عبر الفسطاط التى لم يجد "شاور" بديلا عن إحراقها مستخدما ما يزيد عن ألف مشعل فى يومين حتى لا تسقط بأيديهم .

لم تتقدم جيوش "نور الدين" للمرة الثالثة والأخيرة نحو مصر بقيادة "شيركوه" الذى اصطحب معه "صلاح الدين" إلا بعد أن أرسل إليه الخليفة الفاطمى رسالة توسل مصحوبة بخصلة من شعر زوجته كى لايدع مصر تسقط ، وبالفعل أنسحب الفرنج من أمام الجيش الدمشقى وتولى "شيركوه" الوزارة بعد قتل "شاور" الخائن ثم لم يلبث أن توفى "شيركوه" ليحل محله "صلاح الدين" مهندس سقوط الدولة الفاطمية وإحلال المذهب السنى محل مذهبها الشيعى.

التعليقات