جيل السمنة البلدى

جيل السمنة البلدى

 

 

بعد أن كنا فى كل أدوار الخلاف نشفق ونأبى الا أن نشفق, وبعد أن مست الام الأختلاف والخلاف رمزا أدبيا وروحيا لجيل شاب, دون مراعاة لحرمة الموت أو مراعاة لمذلة الفقد من جيل أخر, على قدر ما صار يتهدم ضعفا .. على وجهه تجاعيد من أثر السنين .. لا يكادون يتلقونه بمحمل رأى أو فتوى او غنيمة سلطة إلا وطوى ماضيه والتقى بشبابه دون إشفاق النظر الى ماضيه الذى لم يكن إلا دهرا قضاه مسالما مستسلما هاربا من كل فكرة أو طريق قد يفضى الى تغيير,

لم يخرج علينا تاريخ مصر بكل فتراته القديمة والحديثة أو حتى المعاصرة بمعادلة أصعب من معادلة جيل (السمن البلدى)  .. الجيل الذى علت به السن وشاب رأسه على أنه بسط الله فى عمره مازال يعيش بيننا حتى اليوم ومازالت أفكاره ومعتقداته الراسخة داخل وجدانه حتى الأن حية لا تنعم براحة الموت ابدا ..

هذا الجيل الذى ولد طفلا مدللا لثورة يوليو وقطف ثمار اشجار التأميم الناضجة بعد ان لحق بأفضل مواسمها على الاطلاق .. الموسم الاول .. الموسم الذى  كان حصاده عمليات السلب والنهب لثروات الملاك عبر قوانين الإصلاح الزراعى وحقوق العمال وألاف الوظائف التى تحولت إلى حكومية فى غمضة عين ينتظر شاغلوها جواب القوى العاملة ليأتيه طالبا ملحا حتى باب بيته الواسع الفسيح الخاضع لقانون الإيجار القديم والذى لا يتعدى ايجاره ثمن علبة سجائر رديئة محلية الصنع فى يومنا هذا, الجيل الذى يجلس حاليا مسترخيا فى حجرة معيشته التى اشتراها بالاضافة الى باقى اثاث البيت من عمر افندى .. والصالون الاخضر .. وصيدناوى بأقساط شهرية يدفعها من مرتبه الحكومى وبضمان وظيفته ليتندر على جيلنا .. جيل زيت الذرة عديم المسؤلية ..

والغريب بل والطريف أن جيل السمنة البلدى هذا هو الجيل الذى رضع من ببرونة الدعم حتى أخر قطرة لبن فى ضرع الوطن, قبل ان يجف لبنها ويشح خيرها على كل جيل بعده .. بداية من التسعيرة الجبرية وإلى بطاقات التموين التى وفرت له ولإسرته كل شئ, حتى الملابس الداخلية لهذا الجيل وفرتها له الدولة عن طريق الكساء الشعبى ..

أما التعليم فحدث ولا حرج .. تمتع هذا الجيل بكفائته قبل مجانيته على ايدى من سبقوه قبل أن يمن بها على كل من لحقوه, رافضا ان يؤدى رسالته فى توصيل الأمانة بعد أن ملك كل الحجج فى سبيل سرطان الدروس الخصوصية ليحول التعليم الى تجارة تصب أرباحها فى جيوبهم وحسرتها على أفئدة وجيوب أهالى الطلبة ..

ليس فى التعليم وحده لم يطق هؤلاء الذين تملكهم الظن والأعتقاد بأنهم السادة الاصليين للبلاد صبرا على مطامعهم بعد ان حولوا كل وظيفة حكومية وعامة إلى ملكية خاصة, فلم يكتفوا بالتزويغ وفتح الدرج لطلب الدخان معتصرين فى ذلك زهرة العمر طوال سنين خدمتهم دون أى حياء من جيل أخر اشبعوا جثته الطافية غرقا بجوار مراكب الهجرة غير الشرعية لوما وتقريعا على أنها فشلت فى ترك الوطن مكافأة نهاية خدمة لهم ..

جيل صار مستحيلا أن يلتقط عقله طرف الخيط الذى من الممكن خلاله ان يفهم أهمية كاتب مثل (أحمد خالد توفيق) الى جيل أخر شاب ولد وتربت ثقافته على أيديه, مستحيل أن يعى كيف جمعت روح هذا الرجل بمجرد انتشار خبر رحيلها عن عالمنا دموع ملايين الشباب لتفيض حزنا وألما ..

جيل صارت أفكاره وأختياراته أشبه بدهون السمن البلدى التى سدت شرايين الوطن الذى لم يعد فى أيدينا إلا الدعاء له أن يحفظه الله من كل شقاق وأختلاف .. 

التعليقات