انخفاض حاد فى الذوق العام

انخفاض حاد فى الذوق العام

 

"انت قليل الذوق" جملة سمعناها دوماً فى كل مكان ضد شخص قام بتصرف لا يليق بالاخلاق او تصرف ينم عن همجية فى التعامل مع الآخرين ولكن فيما مضى كان من يوجه له هذا الاتهام يضع رأسه فى صدره خجلا ويعتذر عما بدر منه ليؤكد انه ليس "قليل الذوق" أما الآن إن قيلت لشاب ناشئ فستجد رد فعله هو اللامبالاه وكأنه يعرف مسبقاً انه كذلك ولا يحتاج منك ان تذكره ولربما كانت تلك الصفة فخر له أو انه قد نبتت له قليلا من عزة النفس واستطاع ان يفهم انها سُبة فينهال عليك بالسباب بشتى انواعه واشكاله فيؤكد انه بالفعل "قليل الذوق".

ولكن مايلفت النتباهانه قد اصبحنا جميعاً قليلي الذوق بل نقوم بتشويه الذوق وكل ما هو جميل ليكون فى اسوأ اشكاله وصوره قد بدأنا مرحلة التشويه تلك دون اى وعى منا ولم نكتفى بذلك فنقلنا التلك العادة الى الاجيال الجديدة وجرعناهم كيفية صنع القبح فعلى سبيل المثال ان تجد اطفالاً قد خرجوا فى رحلة مدرسية الى منطقة سياحية او اثرية فشاهدوا ذلك الشاب ممسكا بقلم او آلة حادة ونقش اسمه واسم محبوبته على الاثر فتباعاً تجد الاطفال يفعلون المثل ويكتبوا اسماؤهم بشكل متتالى تسبقها عبارة (للذكرى الخالدة) الغريب ان كل من  كتب اسمه لن يتذكر المكان مرة اخرى وما هى المنفعة إن تذكر هل سينبهر السائح بتلك الخطوط القبيحة اكتر من انبهاره بالاثر فيلتقط الصور ليذهب الى بلاده ليجعل الاهل والاحبة يشاهدون تلك الخطوط وكانها نقش فرعونى؟ (تشويه حضارى)

كنا نمر منذ فترة بجوار تلك البناية الجميلة الرائعة يغلب عليها القدم وبها الكثير من التفاصيل والحلى المعمارية ونقوم بالتقاط الصور التذكارية بجوارها, ثم فجأة تختفى عندما يراها احد رجال الاعمال او المقاولين فينتبه لتلك المساحة ويقرر شراءها وهدمها ليبنى مكانها مسخ ضخم قبيح الشكل والمعالم ربما يسقط ويتهاوى بسبب بعد بضع سنوات لانعدام الضمير وكأن مسلسل الراية البيضاء لم يعلمنا شئ ( تشويه معمارى)

بينما ننتقل بين قناة تليفزيونية واخرى لابد لنا وان نتوقف ان صادف فيلم قديم ابيض واسود او اغنية على نفس النحو فبالرغم من مشاهداتنا لتلك الافلام وسماعنا لتلك الاغانى الا إننا نشاهد ونسمع مراراً وتكراراً دون ملل فلماذا يقوموا الان بانتاج مسلسلات لها نفس قصة الافلام القديمة هل هو فقر فى البداع ام هو استغلال لنجاح الفيلم  ولكن الواقع هو فشل للمسلسل وكذلك الاغانى التى يتم اضافة موسيقى صاخبة لها واخذ جملة او اكثر من اغانى قديمة وصبها فى قوالب قبيحة ليخرج لنا المغنى وهو يصرخ فى وجهك لا تعرف لماذا, الاسوأ ان هذه المسلسلات يتخللها الكثير من مشاهد العري وتعاطى المخدرات والبلطجة وللاسف تعرض فى الشهر الكريم وحجتهم انه "تجسيد للواقع" بل انتم من تشوهوا الواقع ( تشويه فنى )

لم يسلم الشهداء منا ومن التشويه فاغنية ابطال الصاعقة التى تتغنى بالابطال وبسالتهم وعدم خوفهم ومحارباتهم للارهاب والاعداء وتلك القشعريرة التى تصيبك عند سماعها تحولت بفضل بعض لمساتنا الصغيرة عليها واضافة الموسيقى الى اغنية فقدت كل معانيها بعدما خرجت فى شكل اغنية راقصة تراقص عليها احد الطلبة فى المدارس وتراقصت عليها الفتيات والنساء بعد الخروج من اللجان الانتخابية, لو كان كل من رقص على تلك الاغنية له اخ او والد او قريب او جار استشهد هل كان سيتراقص بتلك الصورة وهل كان يتراقص من الاساس؟ ( تشويه وطنى)

الامثلة كثيرة وفى كل المجالات نشوه الحب ونشوه الاخوة وصلة الارحام, نشوه التاريخ والافكار والاحلام والابتكارات ونتفاخر بذلك لنجد اننا فى النهاية نشوه انفسنا فالذوق كان من زمن فات ولكن هناك دائماً امل فى كل جيل جديد ربما ان وصل اليه الوعى الصحيح والتعليم النافع لصار الوضع افضل بكثير من اى وقت ولن يصبح هناك من هو "قليل الذوق"

التعليقات