كلمة حوّلت الشافعي من شاعر إلى فقيه

كلمة حوّلت الشافعي من شاعر إلى فقيه

 

للكلمة بريق يسطع على القلوب بلا هوادة، وتفعل بالأنفس ما لا تقدر على فعله الأسلحة الفتاكة في ساحة الوغى؛ فبكلمة قد تنهي خلافات كانت قد وصلت لحد الاقتتال لسنوات بين عدوان يستحيل العقل معه، أن يحكم باجتماعهما معًا على مائدة المودة ولو لساعة واحدة..!! وبكلمة قد تُنشئ حربًا ضارية بين أخوان بينهما من أواصر المحبة ما يجعل العقول تقر، والقلوب توقن، بأن هذين الشخصين لن يفرقهما أحد إلا الموت.

إن تلك الكلمة الصغيرة سلاح ذو حدين، فهي إما رصاصة بناء، تطلق في أذن أحدهم فيتلقاها قلبه بترحاب، فتغير حياته كلها نحو المعالي، بل من الممكن أن تغير حياة أمة بأكملها..، وقد تكون الكلمة نارًا تحرق شعلة حماس متوقدة، فيتلقاها الرجل العامل المجاهد في الحياة، فترديه هامدًا علي سرير الكسل والخمول إلى أن تنتهي حياته.

من هنا يدرك المرء أن للكلمة قوة خارقة في إحداث ما يمكن أن يطلق عليه "انقلابًا في نفوس الأشخاص"، لأنها تحمل في ثنايا حروفها طاقة قد تجعل من المستحيل واقعًا، إذا ما خرجت من القلوب بصدق وصفاء.

ولكي يتضح أثر الكلمة في حياة الأشخاص، فنظرة في السير الذاتيه لبعض المشاهير، لعله تسهم في إبراز ما تتركه الكلمة من أثر في مسيرة الأشخاص...

إن أعظم رجل هو الذي يعرف أقدار الرجال وقدراتهم، والذي يعمل علي استجلاء تلك القدرات ويوضحها أمام أصحابها، ومن ثم يسعي هؤلاء من خلال تلك القدرات إلي الانطلاق والإبداع؛ والمتأمل في صفات النبي محمد( صل الله عليه وسلم) سيجد أن تلك العظمة كانت صفة متأصلة في ذاته (صل الله عليه وسلم)، وبنظرة متدبر في سيرة صحابته سنجد ما يؤكد ذلك؛ فقد جاء عبد الله بن مسعود ذات مرة إلي رسول الله -وكان يومئذ غلامًا صغيرًا- فقال لرسول الله: علمني من هذا القول الطيب -يقصد القرآن- فما كان من رسول الله إلا أن قال له" إنك غليّم معلم. تعلقت تلك الكلمة في صدر عبد الله وغيرت حياته كلها-فيما بعد- حيث كان غلامًا لا يعرف من الدنيا إلا رعاية الأغنام، فلما أسلم وتوجه إلى رسوله الله وسأله أن يعلمه القرآن، فما كان من رسول الله إلا أن توسم فيه الخير، والحرص علي التعلم، فوضع النبي يده الشريفة، على رأسه، وألقى تلك الكلمة في صدره "إنك غليم معلم" فنزلت تلك الكلمة علي أذن ابن مسعود فزلزلت كيانه، وأصبحت محط هدفه من الدنيا، بأن يكون يومًا ما من أعلام هذه الأمة المباركة، بل إن بداية تنفيذ ذلك الهدف بدأ من وقت لفظ النبي بتلك الكلمة، ومن هنا عمل عبد الله على ملازمة الرسول كي يتعلم منه..، ويذكر أنه لُقب "بصاحب نعلي الرسول" لكثرة ملازمته للنبي طوال حياته صل الله عليه وسلم.. وما إن التحق رسول الله بالرفيق الأعلى، حتى بدأت رحلة عبد الله في تعليم الناس، حيث تنقل عبدالله من المدينة إلى البصرة ثم إلى الكوفة، وطوال تلك الرحلات كانت حلقات العلم لدي عبد الله لا تتوقف.

تطلعت يومًا في السيرة الذاتية الخاصة بالإمام الشافعي-رضي الله عنه- فوجدته -أيضا- هو الآخر، أحد أولئك الذين غيرت حياتهم كلمة، كان في أول أمره مهتمًا بالشعر والفصاحة، وأثره في هذا المجال محفوظ فهو القائل يومًا:

دع الأيام تفعل ما تشاء* * وطب نفسًا إذا حكم القضاء. ولا تجزع لنازلة الليالي* * فما لحوادث الدنيا بقاء.

كانت حياة الشافعي على هذا الوجه، ينشد الشعر ويؤلف الأبيات ويتغنى بها، وكان يجلس في مجالس الفصحاء والبلغاء ويستمع إليهم لينحو نحوهم؛

وفي ذات يوم قال له أحدهم كلمة، كانت بمثابة نقطة انطلاق شعلت الحماس في قلبه، حتى إنه بسببها أسس مذهبًا فقهيًا ما زال يدرس للناس في المدارس والكليات حتي يومنا هذا...؛ رُوي عن مصعب بن عبدالله الزبيري قال" كان الشافعي في إبتدأ أمره مهتما بالشعر والأدب، ثم أخذ بعدُ في الفقه، وكان سبب أخذه أنه كان يسير

يومًا على دابة له وخلفه كاتب لأبي، فتمثل الشافعي بيت شعرٍ، فقرعه كاتب أبي بالسوط، ثم قال له: مثلك يذهب بمروءته مثل هذا، أين أنت من الفقه. فقال مصعب: فهزه-أي الشافعي-ذلك،- وفي رواية للشافعي قال فيها: فوقع ذلك في قلبي- فقصد إلي مجالسة خالد الزنجي الفقيه، ثم قدم إلي مالك بن أنس ليأخذ من علمه، ومن هنا تغير مسار الشافعي من الشعر والأدب إلى الفقه وعلومه.

ذات صباح أطل الإمام محمد عبده، شيخ الأزهر السابق، بسمته الطيب على المدرسة الإبتدائىة، التي كان يدرس فيها كاتب سلسلة العبقريات عباس العقاد، وهنالك عُرضت على الشيخ كراسة "العقاد" يقول العقاد: فتصفحها باسمًا، وناقشني في بعض مفاضلاتها، ثم التفت إلى أستاذي وقال ما أذكره بحروفه " ما أجدر بهذا أن يكون كاتبًا بعدُه".

إن العقاد نشأ محبًا للكتابة منذ نعومة أظافره، وتلك الكلمة لم تغير شيئًا جديداً في مسيرة العقاد، بل إنها زادته حبًا في الكتابة، وأعطته قوة هائلة لتنفجر مواهب "العبقرية" لديه في الكتابة والتأليف....، إن النفس قد تخور قواها فتتوقف عن الإنتاج إذا لم تلقي من التشجيع ما يكافئها على ما قدمت من جهد، وتلك الكلمة من هذا الإمام الجليل قد أعطت نفس العقاد ما تحتاجه من تشجيع وتحفيز كي يستمر في طريقه… يقول العقاد عن تلك الكلمة: وأبالغ إذا قلت.. أن كلمة الأستاذ الإمام هي دون غيرها التي حفزتني إلى الكتابة، ولكنها كانت ولا ريب حافزًا قويًا بين الحوافز الكبرى، وجاءت بعد عزيمة سابقة، فأعانتها ودفعت عنها عوارض التردد والإحجام.

كانت تلك المقالة عن أثر الكلمة في حياة الأشخاص،   والهدف الأساسي منها هو أن نعرف أن لكلماتنا تأثير كبير علي النفوس، سواء كان هذا التأثير بالسلب أو الإيجاب، ومن هنا تصبح فكرة استخدام الكلم الطيب في تعاملاتنا مع بعضنا البعض أكثر إلحاحًا، لما له من أثر طيب علي الأنفس..، ورحم الله من قال " الكلمة الطيبة صدقة".

التعليقات