طابور العَيش

طابور العَيش

لا أعرف لماذا أو كيف؟ لكنني فجأة وجدت نفسي هنا بدون أية مقدمات، وسط طابور طويل لا نهاية له على مرمى البصر، يقف فيه رجالا كثيرين من كل الأشكال والأنواع، وأنا. المساء ورائحة من القهوة تحوم في الهواء.

بالطبع هي الصدمة، تسيطر علي ولا أعلم هل هذا هو حال الجميع أم لا؟ لقد عرفت الآن.. إنه الحساب، إني لميت وإنهم لميتون، وها هو اليوم الموعود، أنا الآن أنتظر حسابي، ولكنني لا أتذكر ملكين ولا قبر أو صراط، ثم أن الحساب لن يكون في رائحة القهوة هذه، إنه الحساب وليس الجنة حتى يكون هناك قهوة، كما أن لا ليل في الآخرة، ولا نهار، لا أعلم ولكن ما أتذكره مما قاله لي أبي أننا لن نقف بين يدي الله في المساء، ستكون أهم حصة تربية دينية فاتتني تلك التي قيلت فيها تلك المعلومة إذا كانت صحيحة.

لم أضع في رأسي من الأساس فكرة أن يكون هذا هو طابور لإنجاز مهمة ما حتى أنفضها، لا مصالح في المساء ولا خبز، هل هذه هي "مدام عفاف" التي يقولون عنها؟ هل يعقل أنها استمرت في حشو "الكوسة" حتى أصبح الطابور بهذا الشكل؟! بالطبع لا فهي لن تستمر في العمل حتى هذه الساعة، فلديها بيتها وأولادها وهم أهم من أصحاب المصالح على مكتبها بالطبع، وتلك السرعة النسبية التي يتحرك بها طابورنا لا تتناسب مع الإيقاع "العفافي" البطيء الذي نعرفه وتعودنا عليه.

لا أعرف ما هذا، حسنا.. سأخرج من الطابور، الأمر بهذه البساطة، ولكن إلى أين أذهب وأنا لا أعلم أين أنا؟ كل ما أراه هو صحراء في الليل هواؤها كالقهوة المثلجة، وطابور به الرجال أمامي وخلفي إلى ما لا نهاية من وجهة نظر مرمى بصري، بالطبع حاولت أن أسأل من حولي ولكن الجميع يكتفي بالصمت مع نظرة في عينيهم تدل على أنهم مثلي، مثلي لدرجة تخيف. لماذا كلنا رجال؟ بالطبع هذا ليس طابورا لصلاة ما في الجامع، الناس لم تصبح تصلي بهذا العدد، فالمساجد والكنائس وباقي معابد الأرض أصبحت فارغة تقريبا، حتى الحرم الشريف وكنيسة روما –الأكبر في العالم- لا يمكن لأحدهم أن يحوي كل هذا العدد من البشر، لا يتوافد هذا العدد على دور العبادة حتى في مواسم الحج، إذن لمن أو لماذا نحج؟

رأيت النهاية بعد سفر خلف البشر في سياسة قطيع لا يعرف مغذاها أحد، هذا الطابور ينتهي عند طابور آخر معاكس، طابور طويل لا نهاية له أيضا على مرمى بصري، نفس النظرة ونفس الصمت، ولكن الفرق الوحيد هو أن الآخر من النساء، كل رجل يأتي دوره يقابل من يأتي دورها ويذهبون إلى مكان ما في الظلام والضباب بلا رجعة، وقتها سألت نفسي عن ترتيبي كالطالب الذي يعد الأسئلة حتى يعرف سؤاله فيستطيع إحابته، أو يغشها، ورأيت تلك الفتاة الذي سيأتي دوري معها، لم أشعر بشيء، وقتها سألت نفسي عن حكمة الترتيب في ذلك الطابور، ليس ذلك عبثيا، هناك من وضعنا هنا ويحركنا، ويرتبنا ترتيبا معينا لأسباب يعلمها هو لأننا هنا لا نعرف أسبابا لأي شيء.

لم أشعر بشيء رغم أنني ظللت أحاول أن ألمحها كما كانت هي أيضا تفعل، وعندما جاء دورنا شعرنا بكل شيء فجأة، ولأنه جاء دورنا –ولهذا فقط- ذهبنا، بلا رجعة.

 

التعليقات