سر الاشتياق العظيم

سر الاشتياق العظيم

 

توجد فى الدنيا أسرار وخفايا ومشاعر لا يمكن أن تعرف سرها إلا إذا تحققت منها بنفسك، ولمست تفاصيلها بجوارحك.

من الممكن أن يشرح لك كثير من الناس تجارب خاضوها وأماكن ذهبو إليها وحملت لهم مشاعرالحب والإشتياق،أماكن تحفرفى وجدانهمالكثيرمن الذكريات التى لا تنسى، أماكن تحفر داخل الإنسان معانى يصعب على أى شخص وصفها وشرحها.

كنت أتساءل مع نفسى عن سرالشعور الغريب الذى يصفه لنا أى شخص يرزقه الله زيارة بيته الحرام، وهل هذه مشاعر حقيقية أم إنه إنبهار بمكان وتجربة جديدة.

تجد من يذهب إلى هناك يأتى محملاً بمجموعة من المشاعر المختلطة التى تحتار فى تفسيرها خاصة إن لم تكن لك سابقة الذهاب إلى هناك ، فتجده يتحدث إليك بحب ورهبة وإنبهار، وسعادة وحنين، وغيرها من المشاعر التى من الممكن أن تتصور فى بعض الأحيان أن فيها شئ من المبالغة.

نعم تقول فى نفسك أنه يوجد شئ من المبالغة فنحن أيضا نذهب إلى مساجد كثيرة وأماكن مقدسة عديدة ويكون الشعوربه مزيج من هذه المشاعر، ولكن ليس بهذا الوصف الغريب.

وتجد أيضا أن من يحدثك يكون معتدل فى وصفة إلا حينما يصف لك شعوره بالإشتياق، وقتها يتغير صوته وتلمع عيناه من الدموع الخفيفة التى يحاول أن يخفيها عنك، ويتمنى لك الذهاب إلى هناك ويتمنى لنفسه هو الأخر أن يكون معك فى تلك الرحلة الكريمة.

نعم هناك سر لم ينكشف حتىعندما ذهبت بنفسى إلى هناك، هناك كثيرمن الخبايا والخفايا التى ترها بنفسك وتشعر بها،ولكن المكان محاط بأسرارلايعلم مداها إلا الله.

قبل أن أصف لك شعورى عن تلك الرحلة العظيمة أود أن أقسم لك أنه لن يستطيع أحد أن يصل بك إلى تلك الحالة التى ستشعر بها وتلمسها بروحك قبل جسدك فى تلك البقعة الفريدة.

بداية الدخول إلى ذلك المكان تحمل معها مشاعر مختلفة، فالبداية بها رهبة غريبة حينما ترى ذلك المبنى العظيم الذى يكتسى باللون الأسود ويطوف الناس من حوله.

تشعر وكأنك تراها لأول مرة فى حياتك وأنك لم تراها فى وسائل الإعلام وغيرها، وكأنه لم يحدثك عنها أحد قبل ذلك، وتشعر أيضا أن روحك قد أتت إلى هنا منذ آلاف السنين وكأنك لستغريب عن هذا المكان، وكنت تتمنى تلك العودة.

نعم هى فى أصلها بعض من الحجارة المغطاه باللون الأسود، ونعم هناك زحامٌ شديد فى ذلك المكان،والأجواء هناك شاقة وبها كثير من التعب، لكنى أوكدُ لك أنك لن تشعر بكل مايدور من حولك، فلن يشغلك تدافع الناس، ولن يشغلك بكائهم وهمساتهم ودعائهم بكل لغات الدنيا.

ولكن كل ما ستشعر به هناك أنك ترى شئ عظيم لم ولن ترى مثله طيلة حياتك، تشعر للوهلة الأولى أن روحك إنسلخت منك وتعلقت بكل ركن من أركان المكان وأن من يزاحم ويتفقد ويكتشف المكان هو جسدك فقط، أما روحك فقد وجدت ضالتها وشعرت بسكينة غريبة لم تشعر بها من قبل.

الطواف به من العظمة ما يصعب على أى أحد أن يصف شعوره وهو يطوف ويناجى ربه، تجد نفسك تنظر إلى الكعبة بحب وشوق، والهيبة والجلال لن يفارقا ذهنك لوهله، وستنظر أعلاها وتتخيل البيت المعمور والملائكة يطوفون من حوله، ستجد من اليقين هناك ما يملىء قلبك وستعلم أن هذا هو الدين الحق الذى بعث الله به جميع رسله.

ستنبهر بالبناء الحديث لبعض الوقت، ولكن سرعان ما سيزول هذا الإنبهار وستجد نفسك تتساءل مئات الأسئلة، لماذا هذا المكان بالذات ولماذا تلك البيئة القاسية الجافه ذاتالحرارة العالية، وكيف ترك الخليل زوجتة وإبنه الرضيع فى هذا المكان الصعب، ولما لم تتذمر زوجته وترفض هذا الأمرالشاق.

سترى الناس من حولك يتحدثون بلغات مختلفة ولهجات لم تسمع بها من قبل، ولكنك أيضا تستطيع فهم تلك الكلمات والمناجاه والتضرع وكأنك عالم لغات يفهم تلك الطلاسم.

يحدثنا كثير من علماء التنمية البشرية عن الطاقة الإيجابية، ولكن لم يذكر لنا أحداًمنهم أن مصدرها الوحيد هو هذا المكان الساحر.

تتجلى العظمة فى تعلقك بالمكان حينما تنتهى من أداء صلاة أو طواف وتود الذهاب لتأخذ قسطاً من الراحة، وفى طريقك للخروج من المسجد تجد نفسك بدون ما تشعر تلتفت وتنظر إلى الكعبة وكأنك تود أن تقول لماذا أنا ذاهب وتارك هذه العظمة.

أيضا سيخطر ببالك كل من ضحى فى هذا المكان بالغالى والنفيس من أجل إعلاء كلمة الحق، بداية من سيد الخلق مروراً بجميع أصحابه، وكم تحملوا من مشقه وعناء حتى يصل لنا هذا الدين العظيم.

ستعرف لماذا وقف النى صلى الله عليه وسلم باكياً وهو خارج من مكه وهو يقول (ولولا أن أهلكِ أخرجونى منكِ ما خرجت) وستشعر حقاً أنها أحبُ البلاد إلى الله وستكون أحبُ البلاد إليك.

ليس من السهل الإطناب فى هذا الموضوع، ولا تكفى كل كلمات الدنيا لوصف تلك الرحلة العظيمة، ولكن يكفى أن أقول لك قولة الواثق فى نفسة،أنه ما من مكان زرته أو ستزروه فى حياتك يقارن بهذا المكان المبارك.

رزقنا الله جميعا تلك الزيارة أعوامأ عديدة وأزمنةً مديدة، ولا يحرمُ منها أى مشتاق.

التعليقات