حوار عبثي

حوار عبثي

 

في أحدى حواراتي معها، والذي نخرج منه عادةً دون أن تقنع فيه إحدانا الأخرى، دار حديث عبثي جديد بيننا... هي دائمًا ما ترى أن التعايش مع الشخصيات الكريهة التي نفر منها هو الصواب.. وأن علينا أن نكمل حياتنا برفقة الجميع مهما مثلوا لنا من عبء نفسي ومهين، وأن علينا ترويضهم والبقاء بالقرب منهم لأن هذه متعة الحياة.

في المقابل أن لا أرى أية متعة تُذكر في البقاء بصحبة آخرين أشعر حين يكونون بالجوار أن الحياة ضاقت عليّ بما رحبت.. وأؤمن بأن الحياة أقصر من أن نكملها بالشكل الذي لا يرضينا، أخبرتها أكثر من مرة أن طاقات الناس تتسع وتضيق، والمحاربون ضد التيار كثُر، لكني شخصية محاربة فقط في الحصول على من أحب وما أحب، وعلىَّ الحفاظ على من يثرون حياتي بالسعادة ولا أحد عاقل يحارب للبقاء بجوار من يثيرون ضجره ويؤلمون وتر مشاعره وباءوا فشلًا في الوصول لنيل مودته برغم أنه شخص مسالم جدًا ويمنح مشاعره السلمية للجميع.

كما أني لا أدعي المثالية مثلها ولم أسعى يومًا لأكون كذلك، على العكس تمامًا أنا أحاول الخروج من دائرة الإطار الفاضل الذي يرسمه البعض لنفسه كلما امتد به العمر كنوع من الوقار الإجتماعي تفرضه علينا أعمارنا، ليس لرغبة مني في الخروج عن النص المألوف ولا للفت الأنظار ولا إدعاء الحداثة، أنا أريد فقط أن أكون كما أنا بالضبط.. دون أن أقوم بتلطيف الأجواء المشحونة من أجل الحصول على جائزة لا أستحقها، ولا تمثيل دور البطولة في مسلسل رخيص لا يشاهده أحد.

تحاول محدثتي أن تقنعني أن أتأقلم مع المضايقات والشخصيات المركبة والمثيرة لإنتباهي في دائرتي المحيطة وأنا لا أريد، لا أريد ليس لأنني أدعي الفضيلة أو أنني أفضل منهم في شيء، لا أريد لأنني أريد أن أستغل ما تبقى من حياتي التي لم يعد فيها بقدر ما ولى، في تطهير روحي مما شابها بسبب هؤلاء وغيرهم، ولا أريد إدعاء النضال والفوز بجائزة ترويضهم والانتصار عليهم في النهاية، فالانتصار الحقيقي عندي هو اتخاذ قرار أكيد بالبعد عن المنغصات في أي صورة سواء كنت أشخاصًا أم أفكارًا أم مشاعر سلبية، والقدرة على تنفيذ هذا القرار بكل قوة ودون تردد.

أنا في الحقيقة لا تشغلني فكرة الانتصار على أحد بقدر ما تشغلني فكرة طي صفحته للأبد، يظن البعض أننا حين نحمل طياتنا وأرواحنا ونغيب، أننا في انتظار مناظرة بيننا وبينهم، أو عرضًا سخيًا من أحدهم، لنحظى بلم الشمل من جديد، والحقيقة هي أننا لا نسعى للعودة مجددًا مهما كان لو يعلمون.

طول الرحلة التي مرت علمتني أن الأمور في كل حالاتها تسير، سواءًا كنت سعيدًا أم حزينًا، متفائلًا أم متشاحنًا، متأقلمًا مع من حولك أو متناحرًا معهم، لا أحد يشغل باله بك ولا أحد يلتفت لك بالقدر الذي يمنعك من القيام بما تريده كما تظن.

وأن بقائك بصحبة من يؤخرونك بمهاتراتهم، لا يختلف كثيرًا إذا ما رحلت بجسدك عنهم وبقوا في رأسك يكملون عبثيتهم في تفكيرك، يجب أن تتخلى بالكلية عنهم وعن التفكير فيهم واستدرار ذكرياتك المؤلمة معهم، الرحيل قرار صعب لكنه محتمل، صعب في اتخاذه وصعب في تنفيذه وصعب في تبعاته، لكنه من المؤكد أن أكبر مكاسبك إذا قررت الرحيل عن الحمقى هي أن تنجو بنفسك من أن تنضم لصفوفهم وتكون أحد أتباعهم.

محدثتي مؤمنة بنظريتها جدًا وتحاول كلما التقينا أن تقنعني أن أعود إلى الحظيرة حيث يتكاثر الحمقى وأبدأ في ترويضهم لنصبح أصدقاء، أضحكتني محاولاتها

وأكدت لها: بأني لا أسعى لهذا الشرف وتركته لها.

فضحكت بدورها قائلة: أنها روضت على مدار حياتها أسودًا وتشعر بالفخر والإنجاز لذلك.

فقلت لها بمنتهى الثقة والثبات: هنيئًا لكِ يا عزيزتي، أما  أنا فلا طاقة لي بترويض نملة.

وبدلًا من أن أروض أسودًا لا أطيقها فعليّ بترويض نفسي أولًا فهي أحق بهذا الوقت وذاك الجهد.

وودعتها متمنية لها أن تخرج من دائرة معاناتها التي لا تنتهي بالسعي خلف الكمال الذي لم يصل إليه أحد بعد..

ولن يصل.

التعليقات