حُضن هزّ عرش مصر

حُضن هزّ عرش مصر

 

حواء لم تكن مجرد كائن خلق من ضلع أعوج و انبثق منه أجيال و سلالات بل كون خاص ، عالم آخر ، مليئ بالتشابكات و الخبايا . عالم قادر على أنّ يُغيّر عالمك و يصنع واقعك و يحطم وجودك ..

ببلادنا اعتادت المرأة على أنماط محدودة في التعامل ، إما التهميش أو الإقصاء أو القهر أو جميعهم . و في إشارة منّا إلى تقارير منظمة الصحة العالمية - التي تُفيد بأن واحدة من كل ثلاثة سيدات يتعرضن للعنف على يد أزواجهن سنوياً أي بما يعادل نسبة ٣٥٪؜ في مواجهة العنف الجسدي و الجنسي أيضاً - نستطيع أن نتعرف على و نعي شكل الوضع الذي يحتله ذلك الكائن المكروه بالمجتمع. ادّعى مُربيو الأجيال بمدارسنا أنّ المرأة نصف العالم و أنّ بيدها تحريك البشر ، و هل يُعقل أن تقود ذليلة مكسورة الدفّة ؟

برغم أنّ نسب ترشحهن للبرلمان الأخير احتلت نسبة ٥.٦٪؜  و هي ليست الأعلى على الإطلاق إلاّ أن النساء تحرّك ، النساء تسيطر ، النساء تقود !

قد يبدو الكلام مُبهم و متناقض بشكل مبدأي ، إلّا أنّه و بتحليل بسيط سيبدو أقرّب إلى الواقع .

تسيطر المرأة بشكل غير مباشر اعتباراً للحجم الذي تمتلكه من أصوات مراعاه في اتخاذ القرارات الخاصة بالانتخابات و النتائج المترتبة عليها . فربما يكاد يكون تأثيرها المباشر إلّا أن النمط غير المباشر منه أكثر وقعاً و تأثيراً . بسبب ما تعانيه نساء بلادنا من انتهاكات تكون في عُرضة للاستسلام لأقل الكلمات تعبيراً عن العظمة أو الاحترام أو حتى التقدير . فالسبب وراء وجود جماهير غفيرة من السيدات أو الإناث كداعمات لعبد الفتاح السيسي قبل أن يكون رئيس و بعد توليه المنصب و خلال تلك الأيام بعد إعلانه لدورة ثانية لرئاسة الجمهورية بالتأكيد خلفه سبب منطقي . و في محاولة لتطبيق نظرية  " التأثير الانتقائي" بمجال وسائل الإعلام و تأثيرها و التي ترمي إلى مراعاة الفروق الفردية و ما يرتبط به من دافعية و اتجاه ، يتم ذكر السيدات في خطابات السيسي بل و بأحاديثه المتفرقة ، فمعظم أحاديثه تتناول ذكر المرأة و دورها - بشكل شخصي و فردي - قبل دورها في صناعة الأمة و تشييد الوطن . و منذ عام ٢٠١٤ ، و قبيل أن يكتسح السيسي الأصوات باللجان الانتخابية و التي كانت تذهب معظمها إلى أصوات إناث مصر اللاتي كن يرقصن على أنغام " بشرى خير لحسين الجسمي" ، كانت معظم الهتافات و الشعارات منبعها السيدات المصريات حتى أنّه قام بالردّ بنفسه بـ"كده ها نعمل مشكلة مع الرجالة” بعد أن هتفن السيدات الحاضرات بالمؤتمر بحبهن له -باعتباره أب و أخ و رئيس قبل أن يتم انتخابه حتى - و في ذلك يتضح أنّه حتى ولو أن ظهرت أساليب تأثيره على المرأة تلك في شكل تقدير و حنان إلّا أنّه يعي بالتأكيد مدى تأثير عباراته "المعسولة" على نساء مصر و يعي أنّها كانت سبب في توليه السلطة و يدرك أنّها ستكون سبب من أسباب ابقائه فيها . يتعمد إرسال كلمات مليئة بالحرارة تفيد أهمية المرأة بالبلاد و تُشيد بدورها فتقوم تلك الكلمات بدورها المزدوج ، فمن جانب تملأ الجزء الفارغ من عاطفة الإناث و تشعرهم ببلد نُكِر فيها حتى الاحترام من قبل الرجال بأن مازال هناك من يقدّر أهميتهن ، بأنّ ذكراً ما على وجه الأرض يرسل لهن طاقات حُب دون انتظار زوج يعود من عمله ليصرخ في وجهها بتحضير الطعام حتى تنطفئ الزهرات بداخلهن ، فوراء كل سيدة محرومة رجل ..

فلم يكن أمامهن إلا الاستماع إلى أغاني كاظم الساهر و إلى خطابات الرئيس ، فعلى كليهما يدنّدنّ و يرددن حبهن و شغفهنّ . مُبتغيات إلى ملأ ما بأنفسهن من فراغ و حرمان عاطفي و جسدي ، و إلى تعزيز مكانتهن كأُناس قبل أن يكن إِناث ..

فحواء ببلادنا لم تُولد إلّا كاملة ، فما أن تعيش حتى يُنقصها أخّ مُتحكم ، أب متذمت ، زوج أناني و مغرور ، فتصبح ناقصة تبحث عمّا يخفي فراغاتها حتى و لو كان تعويضاً خارجي ، حتى ولو كان بسماع خطابات ،  رقص بلجان ، أو هتاف بمؤتمر . فحضن يومياً أيها الرجل يقي البلاد شرور المستقبل .

التعليقات