«سعاد».. صخب البهجة والأحزان

«سعاد».. صخب البهجة والأحزان

 

( وعصير العنب العنابي، العنابي، نقطة ورا نقطة يا عذابي، يا عذابي. يكشف لي حبايبي وصحابي. يوحدني وأنا في عز شبابي. القلب على الحب يشابي والحب بعيد عن أوطانه بانوا، أيوه بانوا).

كتب صلاح جاهين ولحن كمال الطويل، لتبتلع سعاد حسني اللحن والكلمات. وجبة صعبة ومرهقة، ولكنها لا تحتاج أكثر من هذا الصوت، وهذا الوجه، وهذا الجسد، لتكتمل المأساة أمامنا على الشاشة. سكنت شفيقة أوصال سعاد وكل خلجات نفسها. وقفت أمام الكاميرات روح وجسد وعيون تتنفس الحزن.

(يعني العين ما عادتش تشوفك يا متولي... يا خوفي من الفراق يا متولي).

تنتزع سعاد القلب من بين الضلوع بنبرات صوتها الباكية، وكلامها الذي  يخط مصير شفقية وجيهة المنظر. انحناءة جسدها بين أقدام متولي في الوداع موجعة. استسلامها للقدر وعدم المقاومة مرعب. كانت تقول لها هنادي( ملك الجمل) في الفيلم( دا كله مكتوب، وعد ومالناش فيه)، وصوت الراوي كأنه أصواتنا تستجير( وكله بيولي.. فينك يا متولي).

رقص الجسد وغنى وأفسد على اللحن خداعه، هذا التضاد المربك الذي فعله كمال الطويل. حين تكون الأحزان فوق قدرة الاحتمال، اصنع لها لحنا صاخبا، امزجها بالإيقاع الموجع الراقص. كأنها ثورة الروح البائسة، ترقص فيها على إيقاع أحزانها المتلاحقة.

  رقص الجسد مرتعشا كالحمامة المذبوحة، والذراعين مرتجفين كجناحى فراشة ألفت الاقتراب من النار. الفستان الضيق لم يستطع أن يحكم القد النحيل، فتلوى وانتفض يدور حول نفسه، وحول المكان وحول الجموع، سكرانا بنشوة الخذلان، ونشوة الإقدام على فك أسره، لتأتي النهاية الآن حتى لو كانت مفجعة يا شفيقة. وكله بيولي فينك يا متولي...

( الورد مفتح شوفوا شوفوا.. دا بيرقص ويداري كسوفه، وإللي يحب النبي يا أخوانا، على الوحدة يصقف بكفوفه).

ارجع بالخطوات للخلف تحديدا عام 1974. أو الأسلم هنا أن لا تنشغل بالتواريخ. وتمد خط مستقيم وتعبرمن خلاله للضفة الأخرى من هذا الكائن العجيب سعاد.

كتب جاهين ولحن الطويل ورقصت وغنت سعاد إيضا. كتلة من الفرح والسرور أمامك، فإستنشق البهجة، ماذا تنتظر. تتحرك بين زهورالربيع بخفة، تنافسها في الحسن بفستانها الأحمر القصير، الذي تتمايل فيه بدلال فتاة في السابعة عشر لم تعرف الأحزان يوما. تثور في وجه العبوس والكأبة.

الأغنية التي أصبحت عنوانا للربيع، نسمعها فندركه. لا تنافسها أي أغنية أخرى، إلا ربيع فريد الأطرش الممتلئ بالشجن والذكريات. ولكن وجه ربيع سعاد فرايحي متفائل، يفتح ذراعيه للآتي ولا ينظر أبدا للخلف.

ربما فيلم أميرة حبي أنا، فيلما عاديا أو أقل من ذلك. وبالطبع لا يُقارن أبدا بفيلم شفيقة ومتولي. ولكن الفكرة أن ترى سعاد بألوانها، شفيقة الزهرة الزابلة المملؤة بالانكسار والوحدة والحزن حتى حين تغني وترقص، لنعرف منها كيف يرقص الجسد معتلا بشدة همه. وأميرة البهجة التي تريد من الكل أن يقفل على الموضيع ويصفق بكفوفه، لترقص رقصة أخرى، فترقص قلوبنا معها وتذوب من السعادة. سعاد التي نبكي لبكاءها، كأنه كل دموعنا، ونبتهج لضحكتها التي امتصت كل بهجة العالم.

قال يوسف شاهين عن سعاد في برنامج قديم( دي خليت السينما المصرية دي حاجة سكر).

دخلت سعاد عالم السينما وكانت مختلفة تماما عن من سبقوها، كانت نقطة فاصلة وطريقة جديدة في  فن الأداء التمثيلي، ذات ثأثير قوي على بنات جيلها وكل الأجيال التي جاءت بعدها. تمردت على الأدوار التقليدية والشخصية الأحادية التي لا تحمل أي أبعاد ولا تعقيد. شخصية الفتاة المسالمة البسيطة التي تتحكم في اختياراتها الظروف، وتتعرض للمساومات دائما لتسقط  فنتعاطف معها ونشعر بالمسئولية تجاهها. اعتادت بطلات السينما في فترة سابقة لظهور سعاد، تقديم هذه الصورة في الأفلام، ربما شادية الوحيدة التي كانت قادرة على الخروج من دائرة تلك الأدوار، باللعب في مساحات أوسع من الكوميديا والشقاوة والدلع. ولكن سعاد حلقت وعانقت السماء باختلافها وتنوعها وجموح اختياراتها.

تغيرالمجمتع وأصبحت سعاد عنوانا جديدا يتصدر، ويعكس هذا التغييرعلى شاشة السينما، عبرت عن صورة جديدة للفتاة الجريئة المنطلقة، التي تختار وتتحمل مسئولية اختيارها. ليست ضحية على طول الخط. نتعاطف معها، ونغضب منها، ونصفق لقدرتها على المقاومة.

قدمت سعاد أدوارا ملفتة في بداياتها مثل السبع بنات، السفيرة عزيزة، غصن الزيتون، الساحرة الصغيرة، عائلة زيزي. وكلها أدوار مختلفة عبرت بها عن أنماط مختلفة، لفتيات من بيئات متعددة، كل منهن تحمل طموحها وتمردها الخاص بها.                            

(طب هو أنت جوزي.......)، جملة لا ننساها لسعاد من فيلم الزوجة الثانية.

أول ظهور سينمائي لسعاد كان بطولة، مع محرم فؤاد في فيلم حسن ونعيمة عام 1959، إخراج  هنري بركات وقصة وسيناريو وحوار مكتشفها عبد الرحمن الخميسي.

ربما من شاهد الفيلم حينها لم يخطر بباله أن هذه الفتاة الصغيرة، نعيمة الفلاحة التي لا تستطيع أن تفسرمن همهمات صوتها، الذي يمشي إيقاعه على نغمة واحدة متكررة، لا تفرق بين حزن أو فرح، إلا جملا بسيطة مثل( يا سي حسن.. إيوه... عطوة..)، وقامتها الصغيرة المقيدة بثقل طبقات القماش الملتفة بها، ووجهها الخجول الذي لم تنضج ملامحه بعد، أن تكون بعد سنوات  فاطمة الفلاحة القوية زوجة أبو العلا، المتعلقة بشباك مقام في جامع، وبصوت كله قهر تقول( أني في شدة يا عم الشيخ)، والتي تكيد للعمدة عتمان الذي يستبيح الفقير مالا وعرضا، وتنتقم منه.

في الزوجة الثانية عام 1967وقفت سعاد أمام باقي اختيارات صلاح أبو سيف الموفقة جدا، أمام مواهب عتيقة وخبرات، صلاح منصور وسناء جميل وشكري سرحان. لم تخذل سعاد أبو سيف  في اختياره لها. وأصبحت ندا قويا لمن شاركوها البطولة. فكانت صورة مبهرة للفلاحة التي عرفت كيف تقاوم القهر بالتمرد المستتر تحت الخديعة وكيد النساء.

كان صلاح أبو سيف بوصلة حركت اتجاه سعاد نحو نوعية أفلام أكثر نضجا وجدية، وفكر آخر، جعلها تتعلم سريعا وتنطلق نحو سماء إبداعية جديدة، بداية من أول أعمالهما معا، القاهرة 30 عام 66، مرورا بالزوجة الثانية وشيء من العذاب، والقادسية آخر ما قدمت معه.

(بكرة يا قلبي تكبر والحب هتفهمه، من غير كلام عينيا هتشوفها بترسمه، وهتبتدي الحكاية بكلمة صغننة، حكاية جديدة خالص من تأليفي أنا، يكتبها الشوق في ليلة ونقراها في 100 سنة).

في خارطة أعمال سعاد يجب أن تتوقف أمام تجربة فريدة، وأظن أنها ستظل هكذا أبدا، صعب أن تتكرر بهذه الخفة وهذه المصداقية، تجربة فيلم صغيرة على الحب.

نحتار بين سمحية الطفلة، وسميحة الشابة. تخدع سعاد رشدي أباظة، وتظهر له على إنها طفلة في الحادية عشر من عمرها، تُقدم في مسابقة للغناء. نشاهد كل تفاصيل الخديعة على الشاشة. ولكننا نصدق أنها طفلة صغيرة وليست سعاد الأنثى. نعذر رشدي، ونؤيده عندما يضرب نور الدمرداش أو صلاح لأنه يُقبل الطفلة سميحة. تخدعنا الموهبة المبهرة كالسحر، ولا نصدق أن  تتحول الأنثى المتفجرة الأنوثة لطفلة ، لمجرد أنها تبدل ثيابها بثياب طفلة، ليس هذا الأمر كله بالطبع، سعاد تخرج من جعبتها كل شيء يجعلنا نصدقها، كقبعة الساحر تماما.

الليلة أنس ومغنى ورقص وجوها طقس، ناقصة العزول .. ودا أجمل نقص،وهيروح فين .. بين الحبيبين).

في بداية السبعينات وتحديدا 1972 عادت سعاد للأفلام الاستعراضية، بفيلم خلي بالك من زوزو مع حسن الإمام. بعد أن قدمت مجموعة من الأدوار المهمة  مثل بئر الحرمان، وغروب وشروق أحد أهم أفلام سعاد، مع كمال الشيخ، الحب الضائع مع هنري بركات، الاختيار وتجربة أولى مع يوسف شاهين، زوجتي والكلب مع سعيد مرزوق.

شخصية زوزوألماظية المنطلقة الحرة ، بنت بيئتها، التي ترقص ليلا في الأفراح وتدرس في الجامعة صباحا، تفضح زيف المجتمع في تعامله معها ومع أحلامها العريضة. احبت سعاد زوزو النوزو كونوزو، خطفها الدور كالنداهة، وسكنها نجاحه الساحق. وأظنه تسبب بعد ذلك في انكسارها وتأزمها واحساسها بالهزيمة، أمام وهج ونجاح زوزو الذي بدأ يخفت، وجسدها الذي يُنهك، وانطلاقها الذي يقل تدريجيا. كل هذا يمضي غيرملتفت لتشبث سعاد به.

نجح فيلم خلي بالك من زوزو نجاحا أسطوريا، وأصبح علامة في تاريخها. والثنائي سعاد والواد التقيل حسين فهمي، صار من أشهر ثنائيات سينما السبعينات. فلما انتقلنا للثمانينات، وجدنا سعاد وحسين وقد تبدل الحال وأصبحوا نوال وعزت،  يجلسان على طاولة عشاء أعدتها نوال ووضعت له السم في المسقعة انتقاما، لينتهي الفيلم بموت الاثنين، نهاية مأساوية تليق بالمتغيرات التي طرأت على المجتمع.

في موعد على العشاء عبرت سعاد بكل أدواتها عن مشاعر احتياج المرأة للحب. عبرت عن واقع  تنتمي إليه في تلك المرحلة. من خلال الفيلم شاهدنا التحول القبيح من زمن الرومانسية إلى زمن المادة والجفاف العاطفي. الزمن الذي يصلح لعلاقة خانقة بين عزت ونوال، ولا يصلح لعلاقة جريئة متحررة بين سعيد وزوزو.

عملت سعاد أفلاما مهمة خلال فترة السبعينات والثمانينات مع مخرجين متنوعين، مع زوجها على بدرخان الكرنك وأهل القمة والجوع. مع كمال الشيخ عملت على من نطلق الرصاص، وأين عقلي مع عاطف سالم، والمشبوة وغريب في بيتي مع سمير سيف. وفي التليفزيون قدمت مع أحمد زكي حلقات هو وهى في تجربة أولى ووحيدة، سيناريو وحوار صلاح جاهين وإخراج يحيى العلمي.

عام 1991 قدمت آخر أدوارها مع على بدرخان، وفاء في الراعي والنساء، ثم توارت عنا،  وطال انتظار لعودة لم تحدث.

عرفت السينما المصرية كثيرا من الوجوه العظيمة، التي ساهمت في صنع تاريخها. ربما يتوقف العقل أحيانا متأملا أسماء معينة ومواهب لامعة. ولكن إجابة القلب تكون دائما سعاد. وصال بينها وبين القلوب. ليس فقط لموهبة مبهرة متكاملة، لم تكن لأحد قبلها ولا بعدها. ولا اختيارات مهمة ولا أداء متجدد، فسعاد لو قدمت نفس الدور مرتين، لا أعتقد أنها ستقدمه بنفس الطريقة في المرة الثانية مهما بلغت ذروة نجاحها في المرة الأولى. ولا وجه جميل وجسد أنثوي فاتن وخفة دم. ربما هناك من هن أجمل منها وجها وجسدا، مروا بلا تأثيرحين اكتشافنا أن وراء  هذا الجمال لا شيء.

  إنها كنز، سؤال لا توجد له إجابات كافية، من فرط سطوته علينا. فنانة لا يجود بها الزمان مرتان. تذهب القلوب إليها مسلوبة ومفتونة. ترتدي الفستان فيصبح جميلا بها، تؤدي الأدوار فتصبح غير عادية. تغني وهى فقط مؤدية، فيصل غناءها سريعا للقلوب أكثر من مطربات ذو خبرة وموهبة. ترقص فتقنعك أنها راقصة محترفة.

  لما ذهبت بهذه الطريقة الحزينة، لم نصدق، فقط لأننا نرفض الاعتراف بأنها يمكن أن تكون بكل هذه التعاسة. صعدت لتسكن روحها بجانب القمر الذي داعبته طفلة صغيرة في أغنيتها( أنا سعاد أخت القمر). وهوى الجسد الهش، وارتطم بالأرض الصلبة غير محتمل كل هذا اليأس، فارتطمت أرواحنا معه بعنف صدمة هذا الرحيل، الذي أخذ منا سعاد، الكيان الذي احتوى كل صخب الحياة، موزعا  بين البهجة والأحزان. 

التعليقات