في مديح الكتابة

في مديح الكتابة

 

أنا لست كاتبة موهوبة، لكني أحب فعل الكتابة.

أحب هذا السحر الذي تمنحنيه بمجرد أن أمسك القلم وأتركه يجري لينسج القصص أو الأشعار أو الأسرار التي أشاركها مع مذكراتي.

أكتب لأن الكتابة وحدها هي التي احتوتني طوال سنيني، ولأنها تقبلت جميع أمزجتي التي لم يتحملها أحد.

أكتب لأن الكتابة تمنحني نفسي الحقيقية، ليست تلك النفس التي أنجبتها أمي، ولا تلك النفس التي دست فيها المدارس قوانين الرياضيات والفيزياء، ولا النفس التي حشر الطبيب في فمها دستة من المهدئات كي تنام بسلام.

أكتب لأن الكتابة تعريني من كذبي ومن قوتي، وتطبطب على كتفي، وتخبرني أن كل هذا سيمر، على الأقل في دفاتري.

أكتب لأن الكتابة تجعلني أحرر فلسطين، وأفقأ عيني ترامب بسن القلم، وأزرع الأزهار على شباك محبوبي، وأقتل البنت التي أكرهها ألف مرة كل يوم، وأحيي كل من أكلهم الموت.

وأكتب لأن شارلوت برونتي تستحق أن نحييها بأقلامنا النسائية!

أتذكر أول مقالٍ نشرته، وأتذكر كيف بكيت في هذه اللحظة كأم رأت ابنها البكر الذي لا يعترف به حتى والده، فضممته لصدري، وقبلته، ثم دخلت إحدى أسوء نوبات اكتئابي!
نعم.. اكتئبت حين شككت أنه ابني أصلا، رغم أني خضت كل لحظة في ميلاده، وشعرت به وهو يخترقني ويخرج مني. ثم عدت لأقبله وأضحك كمن يتعرف على الضحك لأول مرة في حياته.
ثم تلك القصيدة التي أعجبت الناشر فور قرائتها، والتي تصدرت عدد القراءات على منصة النشر، وذُيلَت بجملة  تعريفية بسيطة "كاتبة مصرية"، فعرفت أن تلك هي هويتي، هويتي "كاتبة" ولو كان المشوار طويلًا، ولو كان اللقب أثقل من قوة تحمل ظهري الضعيف الذي يحمله.
الكتابة في الأصل هي فعل عزلة، يأخذ بيدي نحو الغرف الصغيرة الهادئة التي بالكاد يدخلها نور الشمس، لأشهد مخاض القصيدة والمقال، و تلك الرواية التي لم أكتبها قط، ودون أن يشعر العالم بنا، ودون أن يأبه لنا أحد، ودون أن تُلاحظ عزلتنا، نقوم بعملية الخلق الساحرة بخشوع الصلاة وجمال الأمومة.
شكرًا للكتابة، صوتي وصورتي، أمي وابنتي، بيتي الصغير الدافئ.
التعليقات