«الميراث».. عباءة أبي وحكايته مع نجاة الصغيرة

«الميراث».. عباءة أبي وحكايته مع نجاة الصغيرة

 

( يسامحني ربي  يا أخي ولكني أفكر، لو أننا نموت جميعا. أنا وأنت وكل من نحب، كلنا معا، في وقت واحد حتى لا يحزن أحد على أحد ولا يبكي أحد على أحد. لو أن الناس كالزرع ....).

يحدثني قلبي أحيانا حديث فريدة لأخيها. فريدة المعذبة بالفراق، إحدى شخصيات رواية شرق النخيل لبهاء طاهر، يجافني نومي مثلها. مع الأمنية المستحيلة أبقى متيقظة. أتعذب بذكرى الراحلين كعذابها. وأدعو ربي أن يسامحني، وأدعو طيف الذكريات التي يختلط شهدها بملح دموعها، مخلفة مذاقا لاذعا، أن يفارقني.

لو أننا نُضم كالقمح الذي تُجمع سنابله ذهبية مشرقة  من أرضها، تتحدى ببريقها وهج الشمس.  فلا وهن، ولا مرض نعانيه أو نراقبه  في الآخرين. ولا أحزان تذبح العمر وتعجل بانقضائه. ولا صور فوتوغرافية تجمع الأحياء بالأموات في مزيج مؤلم يشقينا، يجعلنا نفر منها فرارا.  نفر من سطوة النظرة الحية المعلقة  في العيون.  تلك الجفون  طالما أعططنا وعدا ببقاءها مفتوحة، وعدا ألا تسترخي مستسلمة إلا في نومها القصير. وتلك الابتسامة المطمئنة التي  تطل علينا من الإطار الخشبي المعلق على الحائط، أصبحت عنوانا لمدى خداع الأيام وتلاعبها بنا.

أتساءل عن مصير الأشياء ؟.  يؤرقني وجودها  في غياب أصحابها، لمن تكون الآن. أحبها أم أكرها، أم أشفق عليها من فرط الوحدة والإهمال. ربما تشعر هى الأخرى بغيابهم الطويل، الأبدي. تنادي بلا فائدة.

لو نستطيع محو ذاكرة الحكايات الكثيرة التي ورثنها  قبل أن نورثها لغيرنا تبعا، الحكايات التي عاصرناها وكُتبت علينا، والحكايات  التي لم يكن من الضروري أن نعرفها، لندرك مزيدا من ملامح ومآسى الوجوه الغريبة، فيفيض الهم في صدورنا، ونضيق ذرعا بالحنين المتراكم.

كل شيء جميل يمكن أن يصبح مؤلما فجأة، بدون مقدمات. فالضحكات الطويلة تتبعها الدموع. واللحظات الحلوة في لحظة  تالية تصبح عبئا ثقيلا، عندما تتسع دائرة الفقد. الأفلام والأغاني التي أحببنها، يفسد متعتها ما امتزج بها من ذكريات  كانوا هم جزءا منها. آه،  لو أننا كالزرع  نُحصد معا، وينبت في الأرض من بعدنا زرعا جديدا لا يتورط هكذا في الحنين، ينجو بأيامه كاملة، لا ينتقص الوجع منها شيء.

طلب أخي من أمي أن تحضر له عباءة أبي البنية، التي كان يرتديها من باب الوجاهة والزينة. ليرتديها هو بحثا عن الدفء المفقود. تعجبت من طلبه الغريب، فالعباءة قديمة وليست مناسبة لزمنه وسنه، ولديه ما يكفيه من الملابس الثقيلة التي تصد عنه برد الشتاء. وتعجبت أكثر من تذكره لها، فقد غادرنا أبي، وأخي طفلا لا تعلق بذاكرته الأشياء.

أخبرته أمي مرواغة  لتثنيه عن  الفكرة، أنها لا تتذكر مكانها، وربما أيضا لن تكون في حالة مناسبة لكي يرتديها. ألح في طلبها مرات،  فاضطرت لاستخراجها. أصبحنا في مواجهة مع حقيبة مختبئة تحت السرير، بها كومة من ملابس لها رائحة الإهمال ورطوبة الأرض. تلكعت وهى تلمس الملابس التي لم تلمسها ولم تشاهدها لسنوات طوال. ونحن نتنقل بأبصارنا بين قطعها، نتذكر بحنين يمزق القلب كل مناسبة حفرت في الذاكرة، ارتدى فيها أبي ذاك القميص أو تلك البدلة. استغرق الأمر وقتا طويلا ونحن نتلذذ بالعذاب الطاحن. أخذنا العباءة وتم غسلها وكيها. وأصبحت جاهزة لأمر أخي.

بدا الشاب ذو الرابعة والعشرون عاما، غريبا وهو يرتديها فوق سويت شيرت نبيتي و بنطلون سكنيى رمادي. يتكوم جسده النحيل في جانب واحد منها ويترك الآخر فارغا. صورته لم تذكرنا قط بصورة الأب الغائب ولكن العباءة هي من استدعتها، وهو يرتديها فوق  جلبابه البلدي البيج،  صورة لرجل ضخم  وقور في الأربعين من عمره، لا يشبه أبدا هذا الشاب النحيل بشعره المجعد وبعينين تمتلك كل واحدة منهما لونا يخاصم الآخر، فبدا مع ما يرتديه كرنفالا هائلا للألوان المتنافرة. كان إصراره على ارتدائها محيرا، بهذه الهيئة المضحكة. 

بعد كل تلك السنوات التي هجرت فيها دفء الأجساد، هى بيننا، حضورها قويا مزلزلا، في ذهاب أخي ومجيئه نفزع لها. دفعني حضورها لاسترجاع ملامح وجه الغائب. أخاف أنا أنسى بقدر خوفي من التذكر. صرت أفتش في صوره التي طالما أبعدتها عن طريق يدي وعيني.  صوره المقسمة  بميزان الأيام، لمجموعتين منفصلتين تماما في التفاصيل.

في الألبوم الأسود المهترأ من كثرة العبث به، توجد صور الأسرة، قليلة كالسنوات التي قضاها بيننا. فقط  صور أعياد ميلادنا الأولى، وفي المصيف الوحيد الذي جمعنا، في سيدي بشر بالأسكندرية. الصورة التي يجلس فيها وحوله فتياته الثلاث، ذكرتني بإلحاحه الشديد على أمي  قبل وفاته بعام، لكى نذهب مرة أخرى  للأسكندرية، ربما كان يريد صورة  تجمعه بالصبي الذي جاء متأخرا، لتنضم لألبوم العائلة، ولكنها رفضت لظروفنا المالية المتعثرة.

صوره في هذا الألبوم متشابهه ومتكررة ونمطية جدا، بعكس المجموعة الأخري، حيث  شبابه الأول الذي لا نعرفه فيه ولا يعرفنا، موضوعة في صندوق عميق برتقالي اللون ، ما زال يتحدى بمظهره الأنيق زحام السنوات الفائتة. برغم كثرة عددها، كل صورة تحمل حكاية تحافظ على تفردها وجمالها الفني. كثيرا من الشغف بالحياة مرسوما في العيون الشابة المرحة، الصخب  يكاد يكون لحنا مسموعا. استوقفتني صورة بالأبيض والأسود،  يقف أبي ضاحكا مع عشرات من أصدقائه، يحتفلون بعيد ميلاده. زجاجة بيرة في يد أحدهم وزجاجات أخرى على منضدة في خلفية الصورة.  يرتدي عقدا من الفل الأبيض على قميص مفتوح الصدر. تتدلى السلسلة الذهب الطويلة التي أعرفها من رقبته. عرفتها جزءا من مصاغ أمي، الذي لا ترتديه أبدا، وفيما بعد صارت جزءا من مصاغ أختي الطبيبة، هدية مرسلة من الغائب.

تحمل تاريخا طويلا هذه السلسلة المكتوب عليها لفظ الجلالة( الله). خبرت وعاصرت جزءا من رحلتها، ولكني شغوفة بها أكثر وهى  معلقة في رقبة المراهق العابث مع أصدقاءه، الذي عرفته فيما بعد رجلا بدينا محافظا، حجب بناته وهم في المرحلة الإعدادية. له ذقن سمراء كثيفة لا يحلقها أبدا برغم المشاكل التي تسببها له. ينادونه الحاج عبد النبي. أصدقاءه صار بعضهم ضيوفا لزيارات اجتماعية متباعدة، والبعض الآخر اختفى.  يقضي أغلب وقته في العمل، ويصرف كل أمواله على زوجته وأولاده الأربعة. لا شيء يخصه من دنياه الجديدة إلا هم. ولا شيء يخصه من دنياه القديمة إلا نجاة الصغيرة، التي ظلت  صلة تربط الماضي بالحاضر. تربط  بين روح المراهق الذي تمنى يوما أن يحضر حفلة  لملاكه الأبيض ذو الابتسامة الخجولة، وروح الشيخ البدين الذي ينسى هموم الدنيا من حوله حين تطل بفستانها الأصفر على المسرح المزوع بالزهور الحمراء.  يستمتع بالصوت الحائر بين الرضا والصد، بين البوح والصمت, بين العزم والتراجع.  دلال حنجرتها يأسره ويرده شابا وهى تغني ( أنت تقول وتمشي وأنا أسهر ما نامشي يا للي ما بتسهرشي ليلة يا حبيبي ).

كبرنا كثيرا يا أبي، أظنك لا تتصورلأي مدى، خبرنا عنك أكثر مما كنت بينا. ذكرياتك وأشياءك وصورك حولنا، حدثتنا عن كل حكاياتك المنسية. ميراثنا منك أدخلنا متاهة الزمن العجيبة, يزاحم الذاكرة الممتلئة بالفعل. ويسلب الأيام من بين أيدينا.

كبرت أنا كثيرا يا أبي, أتدرك لأي مدى؟.  صارت هالة تحيط بي من هدوء الشيخ الزاهد الذي عرفته، وصخب المراهق الذي لم أعرفه يتوارى، ويتناقص في صدري رغما عني. أنظر للصور وأبعث السلام  للاثنين بنفس القدر من الاشتياق. اقتنعت بالأسباب التي جعتلك تتخلى عن كل أشيائك وعاداتك القديمة راضيا وتُبقي فقط على حبك لنجاة الصغيرة. قلبي يضحك ويبكي عندما أمر على غرفة أخي الذي لم يعرفك لا مراهقا ولا شيخا، بابها النصف مغلق عليه يجعلني أرى عباءتك معلقة علي شماعة الحائط، شبحا من الماضي قائما بيننا. أما صوتها الرقيق  فيتسلل دائما لأذني من خلف الجدران. تصور،  تشغله هو الآخر بتساؤلها كما كانت تشغلك( أنا بس إللي محيرني وما خلانيش أنام، إزاي أنا أقدر أسهر وأنت بتقدر تنام ). يبحث لها عن إجابة  ترضيها وتنجيها من الحيرة مثلما كنت تفعل أنت

التعليقات