لماذا أَكْتُبُ؟

لماذا أَكْتُبُ؟

هناك أشياء يصعب الحديث عنها، لكن أظن أن بعض محاولاتي قد نجحت في توضيحها.

في ليلة ما، سألت صديقة كاتبة، لماذا تكتبين؟

أجابتني: لأن الكتابة مؤلمة وألمها يشعرني باللذة.

ابتسمت حينها، وصمت.

كنت أفكر في ظنونهم حول قدرتي على قراءة المستقبل في كتاباتي، قدرتي على التعبير وتوضيح تلك الكلمات الغامضة التي تخطر في بالهم ولا يستطيعون أن يبوحون بها، يعتقدون أني أستطيع معرفة الغيب من خلال كلماتي، متناسين، أو ربما يخفى عليهم، أن كل ما أفعله هو ربط التفاصيل ببعضها البعض للخروج بالحدث في صورته الكاملة.

أنا لا أكتب لأثبت طهري ولا أمارس عُهري، أنا أكتب لأتنفس، لأعيش، لأنام وفي غدي شيء ينتظرني.. أنا لا أحترف الكتابة، لكن أحاول أن أتعلم أساليب الكشف والبوح من وجوه ونظارات الآخرين من حولي.

أنا أُدين بحياتي للكتابة لأنها علمتني شيء، بل أظن أنها علمتني كل شيء عن الحياة، أكتبُ لأحاول أن أبحث بين أوتار الحروف عن الألهام، أكتبُ لأتحدث إلى نفسي، لا لأصلح أي معنى خارجي، لكن كي أرمم داخلي المهجور، أكتب من وإلىَ روحي فأنا المُرسل والمرسَل إليه.

ربما أحاول أن أعرف أخطائي الماضية وأخفيها عن نظاراتكم الفاضحة، أكتبُ عن الأحداث كما كان يجب عليها أن تقع، وتلك المشاعر التي لم يتسنَّ لي الاحتفاظ بها لوقت طويل.

يقولون أن الكتَّاب يكتبون ليمرروا من خلال كتاباتهم رسائل خاصة لمن عبروا في حياتهم، لذا بَتّ أجدها بين سطوري وأنا أرسل إليها الحزن والشوق وخيبة الأمل. أكتُبُ للأسباب التي ذكرها «محمود درويش» من قبل، كي أنقذَ من أُحبُّها من مُدُنِ اللاشِعْرِ، واللاحُبِّ، والإحباطِ، والكآبَهْ.. أكتبُ كي أجعلها رَسُولةً.. أكتبُ كي أجعلَها أيْقُونةً.. أكتبُ كي أجعلَها سحابَهْ.

وتذكرت صديقي عندما حدثني مرة قائلًا لو سمحت أي امرأة أن تدخلك حياتها لأحبتكَ فأنت تجيد وصفهن، وهذا كل ما تحتاجه أي امرأة. فأنت تعرف الاسم الذي تطلقوه عليهن، ولكنك لا تعرف الاسم الذي هو لك.

لذلك أكره تلك النصائح الأدبية حول كيفية كتابة قصة أدبية، أكره هذه النصائح الأشبهُ بوصفات تحضير الطعام التي يقولها مقدمي البرامج، هؤلاء الجالسين في ستديوهاتهم، يظنون أنفسهم رائعين، حول الخطوات والوصفات الجاهزة للطعام، على الكاتب أن يخترع نفسه، أن يبني بيته بنفسه، أن يشيّد جحره الخاص وحده، أن يخلق وجبته الذي يفكر فيها.

ففي الكتابة سر الخلود، كما كان يرى الكاتب والفيلسوف «فولتير»، فأعملنا الأدبية هي التي تُخلدنا، وإن الخلود لا يحقق لنا في حياتنا السعادة، لأن للخلود فاتورة لابد وأن تُدفع وهي الوجع، فالسعادة لا تدفعنا لأن نكتب أدبًا أو نفكر، الأدب هو ما يحزننا ، ما يبكينا.

في كل مرة أكتب فيها أذهب في رحلة بين طيات الورق، فتحلق روحي فلا زمان ولا مكان خارج جسدي. أُسافر وأتجول بين الكلمات، أتعرف على أشخاص جدد وثقافات آخرى، أخاطب العلماء وأتسكع مع الفقراء في الطرقات، ففي الكتابة لا أملك جسدًا، روحي هي من تختار الجسد الذي تسكنه.

مرة أصبح عربيد ممسكًا الكأس بحانة وسط روما، ومرة أجلسُ أتعبد إلى ربي بمسجد في بغداد أو بكنيسة أٌدعي إلى العذراء، ومرة جلسًا أتحدث مع امرأة بمقهى في باريس، وكثيراً ما أصبح عابر سبيل أعبر بين هذا وذاك أتكلم وأصمت، أراقب وأنخرط وسط العامة، فأصبح في نهاية رحلتي درويشً ضل الطريق، لكنه تعلم الكثير والكثير، فأغلق الورق وتعود روحي إلى جسدي، فيصبح جسدي الشيء الغريب.

التعليقات