الغناء أرشيف الذكريات وعزاء الأحلام المستحيلة

الغناء أرشيف الذكريات وعزاء الأحلام المستحيلة

 

 

(حسبك شتيتي العقل أشتات، وجنيتي نجوم السماوات وعديتي الحسن المسموح. إن قلت وداع أنقسم اتنين، فارس متمرد ع القوانين وكسير مسلم ما بيبوح. روحي فيكي تروح. دوح .. جميل الروح).

منذ سنوات كتب لي أحدهم هذا المقطع من أغنية علي الحجار. حَلَّقَتْ روحي في سماء السعادة، ولو إني أدركت ما في الأمر من مبالغة شديدة. هذا كل ما أذكره بيننا، فلا شيء مهم في العلاقة التي لم يعترف بها أطرافها بطريقة واضحة. ثم تسرب فجاءة كالهواء بدون مقدمات. أختار الوداع بإرادته ولم ينقسم اثنين كما كتبها وخرجت من حنجرة علي. وتركني معلقة من نبضات قلبي بالأغنية ذات المكانة العزيزة في نفسي. أستعيدها كلما جائني أحد بخبرا عنه. أتمنى له سعادة وذكرى جميلة كالتي منحها لي، برغم  الدموع وكل شيء.

( آه كواني الحب عقبال كل لايم.. كل لايم يجرب ويعذر متيم وهايم.. قال أنا حبيت، أروح لمين يا ناس، والله ياوعدي.. آه ياوعدي رموني عيوني لكن الأصل قلبي ).

الغناء دون الفنون أكملها له سطوة قوية في التأثيرعلى الوجدان بسهولة. نضعف أمام الكلمة  الممزوجة باللحن والعاطفة الصادقة لصوت جميل. أتسأل عن حال الحب في غياب أغانيه. أظن كان سينقصه الكثير، فهى ملجأ ومداوي للقلوب الهائمة، حتى الخالية تتمرن على الحب في الأغاني بل وتتمرن على توابعه أيضا، من الأشواق وأحلام الوصال والخصام والصلح والهجر وصولا للخيانة والفراق، حتى لا يفوتها شيئا، صورا تمد بها الأغاني الخيال وتحرضه على الحب. مئات الأغاني التي مست قلوبنا، تعيشنا معها فصول عشقا كاملة، كأنه حقيقة واقعة. تتكون صورة المحبوب في أغنية وربما مزقتها أغنية أخرى. ليس الحب وحده الذي سيكون يتيما إن تخلت عنه أغانيه. بل نحن الأقرب لليتم في حياة خشنة بلا أغاني، تبدد وحشة وفجاجة الأشياء من حولنا. تحمل الذكريات حتى لا تضيع وتجدد الأمال إن ذبلت.. كل ما ننتظر أن يأتي إلينا من الجانب الآخر من الشاطئ أغاني. كل صوت نخجل منه بداخلنا ونقمعه أغاني. الحنين المغلف بالفرح والدموع أغاني. كل نواقصنا أغاني تتردد حولنا. فاستمع واستمتع بالوهم اللذيذ المخدر، لأصوات أخرى غير صوتك الممنوع من الغناء كرها أو طواعية، أحيانا بالغة النعومة والإغواء تستدرجك وأحيانا بالغة القوة تزلزلك، تعلن عدم الاستسلام لقوانين الممكن والغير ممكن في جرأة ووضوح ووقاحة. الغناء، أي جمال بعده يكون. نشوة الأذن والروح التواقة  والجسد المتمايل. حالة ابداع تنجيك من الوقوع في فخ اليأس والحرمان.

(وأنا ويايا بعيش زي المليونيرات، وأحلم وأنا معاييش ملعنش الأزمات).

على الشاشة الصغيرة التي أشترها لنا أبي جذبتني صورة الشاب الرشيق، خفيف الظل الذي يغني ويرقص مع رفيقه. يقفزان على الشاطئ، يجلسان على الكورنيش، يعملان في مطعم، يقيمان في غرفة فاخرة في فندق، يطاردهما البوليس، أحيانا صعاليك وأحيانا بهوات. صديقه يقول له مجنون فيرد غير مبالي (وجناني دا عين العقل، العقل دا داء بيعيي وجناني دا شيء مش سهل تقدر تتجنن زيي).. آه.. أغنية التسعينات الشقية حيث الطفولة البعيدة المرحة. تلح عليا من فترة لأخرى وأتذكر، أختي الكبيرة وأنا نتبادل الأدوارالتمثلية، مرة أنا المغني وهى صديقي ومرة العكس. كانت الأغنية غريبة عن الأغاني التي نعرفها. برغم أننا كنا نرى الأشياء بعيوننا الطفلة ولكن نعرف أغاني الحب والأغاني الوطنية وأغاني الأطفال، لا شيء أكثر من ذلك. أما هذه فيحكي فيها المغني عن نفسه ولا يربطها بحب شيء أو شخص، يحكي عن طريقة تفكيره، عن منطقه في الحياة ببساطة شديدة. ويعلن بوضوح أنه مخلوق رافض للنصح برغم ما قد يعانيه من أزمات. أغنية تحمل فلسفة مجنونة تشبه القطار الذي ركبته معظم أغاني ومزيكا التسعينات الجميلة.

( الله يجازي العوازل اللي مالوك بالكلام، وغيروك من جهتنا وزعلوك والسلام. وما دمت منا وإلينا، بيعز زعلك علينا. يا سيدي مسي.. تعبت حسي وكسفت مدت إدينا.. بلاش تسلم علينا بس مسي).

كانت جدتي لأمي تحمل أخي الصغير، الوافد الجديد كثير البكاء، وتضمه لصدرها أو تضعه في حجرها وتأرجحه بتأني وهى تغني( حج حجيجة بيت الله.. والكعبة ورسول الله.. نفسي أزورك يا نبي.. يا للي بلادك بعيدة.. فيها أحمد وحميدة.. حميدة جابت ولد.. سميته عبد الصمد). يكف الطفل عن البكاء ويهدأ وتتسع حدقتا عينيه في سكون عجيب، كأن الغناء سحرا حمله لعالم آخر أكثر أرتياحا. يتابع الشفاة المتحركة التي تنبت بين التجاعيد الغليظة تغني من أجله، ولأمنية في صدرها قيد الانتظار، كانت أنفاسها تتهدج بنشوة الجملة وهى تنطقها (نفسي أزورك يا نبي). وتحملها الأشواق لبلاده البعيدة.

كنت أظن أن تلك هى الأغنية الوحيدة التي تعرفها جدتي، ولكني ضبطها أكثر من مرة متلبسة تتمتم بشفتيها في خفوت مع لطيفة التونسية وهى تغني، كانت المفضلة لديها بين المطربات. كنت أداري وجهي وأنا أضحك، أدعي انشغالي بأي شيء حتى تكمل متابعة الأغنية ويصل شغف القلب الذي رده الغناء شابا لذروته.

( على البحر على البحر شاورلي بتفاحة يا ليل.. آه يا ليل يا ليل يا ما طال الليل.. يحسبني يا أمه قليلة العقل فلاحة يا ليل.. أه يا ليل يا ليل  يا ما طال الليل.. أتلم يا دي الجدع خدلك يومين راحة يا ليل.. آه يا ليل يا ليل يا ما طال الليل.. وما تبلونيش بالغرام خلوني مرتاحة يا ليل... آه يا ليل يا ليل يا ما طال الليل...)

في أفراح قريتي الصغيرة كنت ما آراه هو العجب. النساء المتشحات بالسواد في الطرقات، اللاتي يعشن حياة خشنة يرتدين خليطا عجيبا من الألوان، يكشفن ويتباهين بكل ما حاولن إخفائه طوال الأيام وكأنهن يتنصلن منه. وتكون ذروة الاحتفال بالأنوثة المتوارية دائما على إيقاع الطبلة، في حضرة الغناء ليلا. يهتز كل ما حافظن عليه ساكنا، الأرداف والخصور والنهود. تتوسط المرأة التي تغني القاعة وترجها بحنجرتها القوية وبجانبها التي تدق الطبلة. والعيون تتطلع إليها. لا تتوقف عن إصدار تعليمات من موضع قوة( رددن ورائي في نفس واحد، لا تتخلفي يا فلانة، صفقن بحماس) عشرات الأغاني تحفظها وتنتقل من واحدة لأخرى بمرونة صوتية تحسد عليها. يضيع وقار النساء في أعيننا، وهن يرددن أغاني خليعة تحتوي على إشارات جنسية واضحة. عالم كله من الإناث، صنعه الغناء. لا مكان لذكر يفسده، عمره ساعتين أو ثلاثة بالكثير، يتناقض مع عالمهن الأصلي في كل شيء.

(سر الحياة لو تعرفيه يا حبيبتي.. سر الحياة، نبض الحياة أنا وأنتي.. البحر موج عطشان للرقص والمغنى.. مشتاق بقاله زمان يقول ويسمعنا.. مش كل شيء بيفوت في عمرنا بيجرح، قلب الحياة مليان حاجات و بتفرح).

كان أبي يمتلك علبة قطيفة حمراء ممتلئة على آخرها بشرائط القرآن، يحتفظ بها في غرفة الجلوس في مكان وجيه. يوم الجمعة يخرج بعضا منها ويقضي نهاره مستمعا للتلاوة. بجانب تلك الشرائط كان هناك شريطا مهملا وحيدا لونه أخضر مكتوب عليه (من غير ليه- محمد عبد الوهاب). كان هذا الشريط هو كل ما نمتلكه من أغاني، وهى في الحقيقة أغنية واحدة. وضعته في جهاز الكاسيت مرة واستمعت (جايين الدنيا ما نعرف ليـــــــــــــه ولا رايحين فين ولا عايزين إيــــه، مشاوير مرسومة لخطاوينـــــــــا). كنت صغيرة جدا على استيعاب كل هذا الآلم. كان الغناء مُقبضًا ومخيفاً، فلم أعيد التجربة. اتخذت من محطات الراديو ملاذا، ألجأ إليها كلما جاءتني الفرصة. أستمعت لمحمد منير، علقت معي أغنية سرالحياة. أردت الاحتفاظ بالأغنية، أستعيدها وقتما أشاء وليس كما تشاء محطات الراديو. كنت أريد شريطا فارغا لأسجل عليه. كان علي الاختيار بين الشريط الوحيد أو واحدا من العلبة الحمراء. تفكيري قادني للعلبة  بوازع إن أمر الشريط الواحد سينكشف، فأمتدت يدي لها. سجلت أغنية منير وسكة العاشقين لمصطفى قمر وبياع القلوب لفضل شاكر وكل ما أشتاق إليها لراغب علامة. اكتشف أبي الفعلة وكان جزائي علقة ساخنة. انتزع ما بداخل الغلاف البلاستيكي ومزقه. خسرت الأغاني المسجلة وفزت بنبوذ عظيم منه. أنا الطفلة التي مسحت القرآن وسجلت أغنية منير بدلا منه. 

(نفيت واستوطن الأغراب في بلدي ودمروا كل أشيائي الحبيباتٍ، خانتك عيناكي في زيف وفي كذب أم غرك البهرج الخداع مولاتي...

في المرحلة الإعدادية كنت في فريق مكون من تلميذات مدرستي، نتنافس في مسابقات دراسية مع عدة فرق من مدارس أخرى. كان لدينا فتاة ذكائها خارق، ما إن نحصل على ورقة الأسئلة، تستحوذ عليها وتمسك القلم  وتجيب دون تعاونا يذكر منا. يتملكنا الغيظ والضيق، حتى تأتي فقرة الموهبة وكانت اختيارية. كنا نكون فريقا غنائيا دون مشاركة من عبقرية زمانها. عندما كنا نتصدرالمشهد ونغني كانت فتاة الأسلئة تشيح بوجهها بعيدا. في أغلب الأوقات كنا نختار أغاني وطنية، ولكن مرة اختارنا غناء جزء من قصيدة أنا وليلى لكاظم الساهر، كان برقته ووقاره فتى أحلام الكثيرات منا. وبدا أننا اقترفنا خطئا فادحا، قاطع مدير المدرسة التي كنا نتنافس معها الغناء وقال بغضب( كفاية بلا غنى بلا كلام فارغ )، وأعلن اسم المدرسة الفائزة. امتلأت أعيننا بالدموع والكسوف. وامتلأت عين تلك الفتاة بنشوة الانتصار حين غاب الغناء عن المشهد.

(جاللي إيديكى معالج زان زانها العنادي فوق المقصب الرومية و تحته وادي، حطه المشخلع و الكردان على حسن هادي.. شوفوا الجدعان اللتاتين اللي حواليا)..

أول شريط قمت بشرائه من مصروفي كان شريط وحدانية لأنغام، نسخة رديئة من أحد أرصفة المدينة التابعة لها قريتي، بخمسة جنيهات. قامت ابنة خالتي بشراء نفس الشريط، على الرغم من أننا كنا نادرا ما نفترق وأشيائي أشيائها والعكس. حاولت اقناعها إنه من الممكن أن تشتري شريطا آخر حتى يممكنا الاستماع لأكبر عدد من الأغاني الجديدة لكنها رفضت وصممت على أنغام. عندما عادت كل واحدة منا للمنزل، قامت بتجريب الشريط. اكتشفت هى أن شريط الكاسيت من الخارج يبدو أنه وحدانية لأنغام. ولكن محتواه كان أغاني شريط مالوم لنوال الزغبي.

(وقوليلهم مش ندهاني هو اللي وحشته و جاني، ده أنا مهما هيحصل بينا مش هبعد عنك تاني.. ناديتي بشوق ناديت، قولتيلي تعالى جيت، لا هعاتبك ع اللي فات ولا حتى هلوم عليكي).

في بداية عام 2002, اشتركت في رحلة مدرسية لقلعة صلاح الدين والحديقة الدولية. الاختلاط بين الجنسين لأول مرة في حدود المسموح، بعيدا عن الزي المدرسي والحصص والالتزام، النظرات اللطيفة والابتسامات والمساعدة في حمل الحقائب وحركات الجنتلة والاستعراض الذكوري، كل هذا كان له وقع مزلزل على القلب في بداية تحفزه لتلقي الإشارات المرسلة عبر الأفعال. في الأتوبيس قمنا بتشغيل أغاني شريط عمرو دياب (أنا أكتر واحد  بيحبك) بالتبادل مع شريط منير (قلبي مساكن شعبية). يغني عمرو ناديتي بشوق فيرد عليه  منير بتبعديني عن حياتك بالملل. قامت إحدى الفتيات ورقصت على أغنية سو يا سو في خطوة جريئة.  في اليوم التالي عاد كل شيء كعهده، وإذا تلاقت العيون صدفة تحمل بين لفتاتها الخاطفة مشاهد حلم الأمس القريب تصاحبها في الخلفية أغاني عمرو ومنير مسموعة.

( حبايبنا عاملين إيه  في الغربة وأخباركم إيه. مرتاحين ولا تعبانين. فرحانين ولا زعلانين. مشتاقين ليكم مشتاقين. من عيونكم محرومين).

في ذكرى بليغ حمدي تقضي العائلة نهارها في الاستماع  لمحطة الأغاني نزولا على رغبتي، كلما رأيت الشغف بالغناء الذي أحبه في العيون، ازداد شغفي. ذات مرة وقت إذاعة أغنية الطير المسافر لنجاة، قالت أمي( في أواخرالسبعينات كنا نستمع لهذه الأغنية فنبكي أنا وأمي، خصوصا عندما تصل نجاة في كل مرة إلى جملة يمكن يفتكر اللي سافر أنه له في بلاده أحباب). تستطرد أمي،( كان خالك يعمل في العراق والفراق كان له وطأة شديدة على النفس، ليس مثل الآن حيث التواصل بالصوت والصورة في أي وقت. كنا ننتظرالخطابات بلهفة، ونبعث له شرائط كاسيت مسجلة بكلاما يشبه ذلك الذي تقوله نجاة. ولكنه ليس جميلا منمقا هكذا. كان مرتبكا متحفظا، يخفي الصوت حزنه حتى لا يجزع المسافر في غربته. يتخلل التسجيل صمت طويل برغم ما في القلب من كلام كثير، ثم نعاود تكرار السلامات والوصايا بتجنب كل ما يعرض سلامته للخطر).  كنتي تبكي يا أمي عندما تغني نجاة لأن أخاك كان بعيدا، غريبا فى أرض أخرى لا تحملك. فلماذا هذه الدموع المعلقة في أطراف جفونك الآن؟ وقد عاد منذ أكثر من ثلاثين عاما من غربته.    

( قبل أما تدب خطاكي بدوب، وأتحرق م الشوق الملهوب،  وأتوجع كالفهد المجروح.. ما إن يتبدى لي محياكي وأدوق الرحمة بنبع هواكي، بساتين الفردوس تلوح...

انتزعت أمي السماعات من أذني وأنا أروي الذكرى بالدموع. وقالت أفسدتك وضيعتك الأغاني، فانقطعي عنها ينصلح حالك يا فتاة. قلت لها يا أمي حاولت أن أكون أغنية في نوتة ألحان أحدهم وفشلت. حاولت أن أمتلك صوتا جميلا وفشلت. فدعيني أعيش في عالم الأغاني جموح الحلم الضائع لعل وهمها اللذيذ ينتشلني من عالم الأحزان، وتجعل آهاتها روحي تبلغ عنان السماء، ويمنحني تكرارمقاطعها المُلح  نشوة الرضا والزهد، وخفوتها التدريجي  في أذني ضياعا في كل شيء وإن كان في الواقع لا شيء. دعيني استسلم لها حتى وإن انقطعت عني الأمال أكون قد تزودت منها ببهجة ترضيني في الرحلة الشقية، ومواساة  لصوتي الضائع وسط ضجيج العالم. أعيدي السماعات إلى أذني يا أمي أوشكت أغنيتي المفضلة على الانتهاء. العالم  يصمت  حوالي متى تعيديها. ويبدأ غناءا لي وحدي.. فاعادت أمي السماعات مرغمة.........

روحينا من بين الأرواح بيتلاقوا صافيين ملاح بفردوس العشق المفتوح.. روحينا من بين الأرواح بيتلاقوا صافيين ملاح بفردوس العشق المفتوح.. روحينا من بين الأرواح بيتلاقوا صافيين ملاح بفردوس العشق المفتوح.. روحينا من بين الأرواح بيتلاقوا صافيين ملاح بفردوس العشق المفتوح

التعليقات