أساور بلاستيكية

أساور بلاستيكية

 

 

اليوم نصف غائم ولا صوت لتغريد الطيور علي الأشجار .افتح نافذتي لأرسل للسماء أمنية .نقش حناء علي كفي رأيته مصادفة وانا ألوح للسماء كعادتي حين اشم رائحة المطر تنبعث منها  قبل هطوله ،صوت اساور بلاستيكية منبعث من يدي .لا أعرف لمن او متي إرتديتها وكأنني غجرية اجلس علي احد الأرصفة ادخن التبغ بشراهة .سلة ورود بيدي الأخري أحملها .أعرضها علي المارة مقابل القليل من المال .وبين الفينة والأخري أراني قبيلة كاملة من النساء اشعر انني قارئة كف محترفة تقف علي إحدي نواصي الحارات القديمة التي تفوح منها رائحة الزمن ،خطوط رفيعة يسمونها تجاعيد حول عيني .وخصلة شعر بيضاء في مقدمة رأسي  .لا يشغلني سوي كسب القليل من المال مقابل قراءة كف أحدهم أو إحداهن .يشعرني ذلك بأن العالم مسالما علي غيرما يدعون .ليس هناك أمر يستدعي قلقي .لا مزيد من الأسئلة لتنخر رأسي ..صوت مواء قطة يأخذني بعيدا عن كل ذلك لأجدني  مازلت هنا ..لا غيمة .لا رائحة مطر .لا نقوش حناء بيدي .لا أساور حول معصمي  .

صوت في الأفق ينادي ........

ضعوا أقلامكم ولا يقرب احدكم من اوراقي .لا يكتب احدكم عن شعري  القصير المبلل ولا يحاول التقاط قطرات الماء المتساقطة علي عنقي  ولا يجهد نفسه في تسلق جبل تفاصيلي . لا شأن لكم بعيوني والحقول النضرة تحت اهدابي .لا شأن لكم بسنابل قمحي الممتلئة ولا بأشجار ليموني ، ضعوا أقلامكم ولا يجتهد كاتب متكم ان يحيك لي قصيدة تناسب قلبي .فكل قصائدكم كتبت علي ورق مبلل لا حقيقة لها .ليس لأحدكم شقيقة قتلها الحب كوصال ليكون نزار أخر وأكون بلقيسه .

القصائد التي تكتب علي أوراق مبلله لا تستر عورة قلب ولا ترتق جرح روح .كانت هي ،، عجوز انفرط عقد أسنانها .تشبهني كثيرا وكأنني انا  بعدخيبة وطن  .فخيباتنا في أوطاننا وحدها قادرة علي سلب الأمان من وجوهنا ،

إقتربت منها وظللت اكثر من عشرين ثانية احدق في ملامحها التي أعرفها .كانت تحمل لوحة ورقية رسمت لرجل بالونين الأبيض والأسود فقط ،ملامح الرجل تشبهها ايضا ،تأبطها لتلك الصورة يدل علي انها لعزيز لها .سألتها ماذا حدث لتجوبين الطرقات تتحدثين وكأن احدهم ينصت لك !!

وتلك اللوحة بيدك لمن !؟

زفرت نفسا عميقا وطويلا كان يمكن ان يصل مباشرة للسماء واخبرتني اللوحة لأبي قمت برسمها حين كنت في العشرين من عمري وتوفي بعدها بثلاث شهور .ومنذ ذلك الحين وانا لا وطن يشعرني بالأمان كصدره أصطحبها معي ما يقرب من اربعين عاما ،كنت في التاسعة عشر حين إكتشف والدي إصابتي بالسرطان بالمصادفة حين اصابنتني نزلة برد شديدة وطلب مني الأطباء إجراء بعض التحاليل ،كان يخشي ان يفقدني وبقيت أنا وفقدته  ،،مايقرب من اربعين عاما ومازلت أشعر بدفء صدره حين كان يحتضنني وانا مريضة .مازلت اشعر انه  يسير بجانبي وانا متأبطة ذراعة ممسكة دميتي التي اشتراها لي يوم عيد ميلادي  ،لم يكن إندهاشي بحديثها قادر علي التعبير عما شعرت به تجاهها .حديثها ذلك يشبه كل ما أكتبه في دفاتري وكأن كلماتي تركت السطور وتجسدت في هيئتها ،

وأيقنت حينها ان تلك الغجرية التي أشعر بها بداخلي الأن والتي جعلتني ارتدي تلك الاساور البلاستيكية حول معصمي ماهي إلا إحدي شخصيات روايتي الثالثة وتلك العجوز ماهي إلا بعض مشاعري تجاه أبي الذي مازلت أكتب عنه وكأنه هنا يلقي علي التحية كل صباح ويغادر .أيقنت ان وحدها الكتابة هي حقيقتنا الغير معلنة .ولكن ما حال تلك الكلمات المتناثرة علي أغلفة كتبنا الدراسية القديمة الأن ؟والتي كنا نشخبطها علي هيئة ملل من المذاكرة !؟ تري اتلك الكلمات تبحث عنا الأن !؟

التعليقات