أحزان الكفر

أحزان الكفر

 

كانت الأرض تعم فرحًا والسماء مصابيح صافية، أجراس الكنائس تدق وأصوات الأذان تعلو بالتكبير وصلوات العابدين في المعابد تتزايد، كان العالم وكأنه يشهد عُرس من أفراح «الجنة» التي ينتظرها سكان الأرض، حيث اجتمعت أعياد العالم كلها في يوم واحد –يوم من الزمان لن يتكرر مرة أخرى-.

عم الفرح قلوب الناس، وانتشر الحب يُطهر نفوس المخلوقين، وكأن الله أراد أن يُشهد الإنسانية آيه من آياته رأى العين.

فشل الشيطان في إفساد هذا اليوم، حتى أتباعه من البشر مُسَّ قلوبهم نور الله فلم يلبوا لهُ طالبًا في هذا اليوم.

فروادته نفسه متسائلًا. أين أنا من رحمة الله؟، فقد عظمت ذنوبى واشتد البلاء عليَ مُنذ أن عصيت ربي وأبَتَّ نفسي بالسجود لآدم، وتحكم الكَبر في نفسي قائلًا «أَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ» ومُنذ هذا الزمان وأنا يتوافد علي الكثيرون من بني آدم فأغويهم بأقل شيء من متع الحياة فيصبحوا من أتباع مملكتي وأصبح لهم أمامًا، ألم يَحن الوقت لكى أستريح بعد قرون من العمل من أجل تضليل البشرية؟.

أراد الشيطان أن يؤمن أن يتوب أن يكف عن غواية البشرية، أراد أن يتذوق طعم الخير ويكف عن الشر.

فلبس ثياب البشرية وذهب يبحث فى الأرض عن مغفرة فكلما نظرة إلى من حوله في الطرقات في ذلك اليوم المشهود ذابه قلبهُ إلى كل شيء طاهر بريء وأحترق شوقًا إلى الخير.

تجول في الأرض كلها بحثًا عن أحدًا يعرض عليه توبتهِ فلم يجد إلا رجلً حليم يحملُ سماحة الٌإسلام ومحبة المسيحية وحكمة اليهودية عرفهُ عندما دخل عليه، فقال له بصوت مرتجف.

- آنت؟

- نعم أنا

- وماذا تريد مني؟

- الدخول في الإيمان

- ماذا تقول أيها اللعين

- ما عدت اسْتَحَقَّ هذا الوصف، جئت أطلب الغُفران، لابد لي أن أبصر الحق ذات يوم، أن أذوق حلاوة الخير الذى وهبه الله لكَ من دوني، فلماذا أنت أيها الإنسان تحتكر حُب الله أكثر ممن خلق الله؟

- أنا الذي قبلت الأمانة التي عرضها الله عليَ «إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ»، أنت من اخترت هذا منذ أن عصيت أمر ربك وأبَيتَّ السجود لآدم فأصبحت ملعونًا مُنذ ذلك الحين إلى يوم نُبعث فيه جميعًا، بعد أن كنت في منزلة عظيمة وسط الملائكة في الجنة.

- صاح الشيطان في أعماق نفسه قائلًا "يا ليتني أطاعته في ذلك الحين"، واليوم جئت أطلب المغفرة والدخول في رحمة الله، ألم يقل -المسيح- «إِنَّهُ هكَذَا يَكُونُ فَرَحٌ فِي السَّمَاءِ بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ أَكْثَرَ مِنْ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ بَارًّا لاَ يَحْتَاجُونَ إِلَى تَوْبَةٍ»، وأليس من حق الناس أن يدخلوا فى دين افواجًا كما جاء في القرآن «فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا».

- اهْتزَّ الرجل لهذه النبرات الصادقة، لكنه لم يكُفّ عن الدهشة، أنت يا إبليس، تريد أن تدخل الإيمان الآن ؟ وأي دين تُريد أن تدخله؟

- لا أريد إلا طاعة الله ورحمته، أن أذوق الخير مرة وأكف عن الشر ثم إفعلوا بي ما تريدون، ألقوا بي في الجحيم بعدها، فقد سئمت من أفعالي وغوايتي لبني آدم، أن أصبح واحد من هؤلاء المؤمنين الخيرين غير المغضوب عليهم، أنقذوني بربكم.

- سأله الرجل مستعجبًا، طالما تريد المغفرة فلماذا جئت إليَ، لما لم تلجاء إلى السماء؟

- جئت أطلب من مَن كان السبب في عصيانى إلى من أبَتَّ نفسي للسجود إلى أبيه، فأنتَ من تسببت فيما أنا عليه الآن، جئت لتكون أنتَ الوسيط بيني وبين الله حتى يقبل مغفرتي فأنا لا أستطيع أن أواجهُ وأطلب منه التوبة.

- لم يعرف الرجل بما يقوله للشيطان، أشعر يا أبليس أنك تريد التوبة حقًا، ولكن ماذا سيصبح اسمك بعد أن تقبل توبتك؟، لكني لست وكيلًا لهذا فأنا مثلك، كل ما عليَ فعله هو طاعة الله وفعل الخير وإجتناب فعل الشر، وربي هو ما يقرر نتيجة أفعالى هذه، لكني أرى أن توبتك مستحيلة، ففي توبتك خللًا في نظام الكون، إفسادًا في ماشية الله، فتوبتك ستهدم أركان الإيمان التي لا تكتمل إلا بوجود الشر الذى تدعوا إليه، فلا قيمة لي كإنسان في عدم وجود الشر والغواية التي تدعوا إليها، إنَ إيمانك يهدم آيات القرآن التي جاءت تدعوا إجتناب أفعالك وخللًا في أحكام المسيحية التي تدعو إلى المحبة والخير من دونك.

إعلم أن وجودك على هذه الصورة المعروف بيها هي أحد أهم ركائز الحياة التي نعيشها، فلا معنى للخير إلا في وجود الشر ولا إِعلاء للفضيلة إلا في وجود الرذيلة التي تدعو إليها، فإيمانك يعنى هدم للأركان وخلط لأمور الحياة.

- لك الشكر، قالها الشيطان بذله ومسكنة، وخرج اليأس ملء روحه، يُحدث نفسه "لقد كتبَ عليَ أن أبقى هكذا، أميرًا لمملكة العاصين والمغضوب عليهم، فوجودي يعني وجود الخير، والعتمة التي تسكن روحي تعكس نور الله، وإفساد روحي تعنى صفاء الله، فزوالي يعني هدم لأركان الإيمان.

عفوك ياربي، لماذا أعمل هذا الدور العنيف؟، كتبَ علّىَ هذا القدر المُخيف، هأنذا أُحبك حبًا لا مثيل له لم تدركهُ الملائكة ولم يعرفه البشر، وياليتَ بني آدم يَحسن عبادتك قبل يومً لا ينفع فيه ندم.

التعليقات