أورهان باموق.. وتركيا أخرى لا يريدها أردوغان

أورهان باموق
أورهان باموق

- من النسخة الورقية لجريدة اليوم الجديد الأسبوعية (ملحق المطبعة)

فى إسطنبول عام 1952، ولد أورهان باموق، لأسرة يكتب عنها «تميل إلى الثقافة الفرنسية وتتكلمها»، درس العمارة بعد إثناء أهله إياه عن دراسة الفن التشكيلى ليتركها بعمر الـ23، ويختار العمل بالصحافة، ومنها إلى الأدب، وهنا سنقدم قراءة فى مؤلفات واحد من المحسوبين على المعارضة التركية بالخارج، إلا أننا لسنا منحازين، إذ نحثك على إكمال الصور بقراءات أكثر، على خلفية ما حدث مؤخرا فى تركيا.

يقول باموق عن مدينته التى استحوذت على معظم كتاباته، «لاحظت أن إسطنبول حقيقةً، مدينة جميلة، لكنها للسادة، لا للعبيد»، ويمكن أن نتبع ما قاله بجملة أخرى من ذات المؤلف «إسطنبول الذكريات والمدينة: لم يكن الرب أكثر ما أخافنى، لكن أولئك الذين غالوا فى الإيمان به»، وكما استحوذت إسطنبول على باموق مكانيا، استحوذ عليه خط فكرى منذ عام 1979، سماه النقاد «واقعية اشتراكية»، وتناول خلاله القضايا الاجتماعية والسياسية لبلاده، معلنًا عن موقفه من محاولة تركيا الانضمام للاتحاد الأوربى، بوصفها محاولة مفتعلة.

وفى تصريحات صحفية حول إحدى ترجماته قال إن لديه شعورا بـ«غيرة وغضب وكبرياء رجل لا يستطيع أن يجعل نفسه أوروبيا. وتقديرى أنه من الواضح أن هذا الوضع يماثل حالة تركيا اليوم فى ما يتعلق بالعلاقة مع أوروبا».

الأمر نفسه يمكن أن تراه فى روايات باموق وما زلنا مع «إسطنبول»: «يحب المراقبون الغربيون التعريف بما يجعل إسطنبول غريبة لا غربية، بينما المستغربون من بيننا يسجلون الأشياء ذاتها كعوائق يجب محوها من وجه المدينة بأقصى سرعة».

يقول أيضًا: «وهكذا اختصرنا الدين، بدل أن نراه نظاما تحدث به الرب إلينا عبر الأنبياء والكتب والشرائع، إلى مجموعة من قواعد غريبة وأحيانا مضحكة تعتمد عليها الطبقات الدنيا»، ويمكن أن يكون هذا عنوانًا لصدام آخر مع الدولة التركية،  فالعبارة كانت استقبالا لقرار المحكمة التركية بحظر ارتداء الفتيات الحجاب فى المدارس.

فكانت «ثلج» روايته الصادرة عام 2002، ليطرح خلالها التطرف والصراع بين الدولة (جيش واستخبارات) من جهة، والجماعات الإسلامية من جهة أخرى، متهمًا الدولة بافتعال الأحداث المتهم فيها الإسلاميون من خلال اختراق الجماعات واستدراجها للعنف لتبرير قمع الدولة.

فى «ألوان أخرى» يقول باموق: كنت مضطرا لقطع فترة طويلة دون علاجى من الورق والحبر، بسبب السفر مثلا، أو عدم دفع فاتورة الغاز، أو الخدمة العسكرية (كما كان الحال فى يوم من الأيام)، أوشؤون سياسية (كما كان الحال منذ فترة قريبة) أو أى عدد من العوائق الأخرى، أشعر بالتعاسة تترسب داخلى كالأسمنت. جسدى يتحرك بصعوبة، مفاصلى تغدو متصلبة، رأسى يتحول إلى صخر، حتى تنفسى تبدو له رائحة مختلفة. وهذه التعاسة من المحتمل أن تنمو، لأن الحياة مليئة بالأشياء التى تتآمر على إبعاد الشخص عن الأدب.

إلا أن الحياة لم تتآمر فى إبعاده عن الأدب، ففى عام 2006، العام التالى للملاحقات القضائية يفوز باموق بجائزة نوبل، لتكون إضافة على 13 جائزة تركية، وترجمات لـ34 لغة، جعلته مقروءًا فى 100 دولة، ليكون بذلك فى مرمى ميدان الأدب لا بعيدًا عنه.

التعليقات